قناة احمد علي على تيليجرام ( شروحات تقنية ، تطبيقات ، أفلام ومسلسلات ، خلفيات ، و المزيد )
Last updated 1 year, 3 months ago
يرمز تيليجرام إلى الحريّة والخصوصيّة ويحوي العديد من المزايا سهلة الاستخدام.
Last updated 1 year, 4 months ago
- بوت الإعلانات: ? @FEFBOT -
- هناك طرق يجب ان تسلكها بمفردك لا اصدقاء، لا عائلة، ولا حتى شريك، فقط انت.
My Tragedy Lies With Those Things That Happen in One Second And Remain
- @NNEEN // ?: للأعلانات المدفوعة -
Last updated 1 year, 5 months ago
فالحاصلُ ممَّا تقدَّم كلِّه أنَّ العلمَ بالوقائعِ ممَّا يُعذر فيه بالجهل وليس هو من أصولِ الدِّينِ الكُبرى كمعرفةِ اللهِ وصفاتِهِ كما يزعمُ الغلاةُ المارقة .
? | ┄༻ فوائد أثرية ༺┄ |
فَسَكَتَ حَتَّى سأَلَهُ الثَّالِثَةَ ، فَقَالَ : أَرَاهُ مُحْدثَةً بِدْعَةً ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ . « السِّير ( ١٨٢ : ١٢ ) » .
والجرحاني هو أبو عبدِ اللهِ عبدُ الحميدِ بنُ عصامٍ الحافظُ الثِّقة ؛ من شيوخِهِ سفيانُ بنُ عُيينة , ويزيدُ بنُ هارون , وأبو داودَ الطَّياليسي , وغيرُهُم , كلُّهم مجمعونَ على تكفيرِ اللَّفظيَّة ومع ذلكَ لم يكفِّرهم ابتداءً وأرادَ أن يتثبَّت فلم يحكم عليه العلماءُ بشيء ، وهذا حالُهُ ليس كحالِ من قرأَ الآثارَ وعرفَ حكمَ العلماءِ على اللَّفظيَّة ثمَّ لم يكفِّرهم أو أرادَ التَّفصيلَ فيهم وتخفيفَ بدعتِهم فإنَّ هذا لا يُعذر بل يُلحق بهم مباشرة وينطبقُ عليه أثرُ أحمدَ في رسالةِ مُسدَّد والاصطخري في حكمِ من لا يكفِّر اللَّفظيَّة كما نقلَ على ذلكَ الإجماعَ حربٌ الكرماني وغيرُه .
فالشَّاهد أنَّ منَ النَّواقضِ الظَّاهرةِ المتَّفقِ عليها ما يخفى حكمُهُ على الجهَّالِ العوامِّ فيُبيَّنُ لهم ولا يخفى على العلماء مثلَ القولِ بخلقِ القرآن ، ومنَ النَّواقضِ ما هو أكثرُ خفاءً فيخفى حكمُهُ حتَّى على العلماء وطلبةِ العلم مثلَ مسألةِ اللَّفظِ وخلقِ الإيمان فيُبيَّنُ لهم ، وهذا يؤكِّدُ لكَ أنَّ من لا يكفِّرُ على درجاتٍ متفاوتةٍ عند أهلِ السُّنَّةِ من حيثِ العلمِ بالكفرِ من جهة ودرجةِ ظهورِهِ من جهةٍ أخرى وسواءٌ ذلكَ في الأفرادِ والجماعاتِ كما تقدَّم .
ومنَ الآثارِ المتَّبَعةِ كذلك والَّتي تؤكِّدُ اعتبارَ الخلافِ في ثبوتِ الكفرِ على الجماعة كما هو في الأفراد ما حصلَ في ولايةِ هارونَ الرَّشيد الَّذي خفيَ عليه حالُ أهلِ كرمان - مدينةٍ في إيرانَ حاليًّا - فأخبرَهُ المسلمونَ أنَّها قريةُ الزَّنادقة ولم يأخذ بشهادتِهِم مباشرة حتى تثبَّت . قال يحيى بن الحسين الشَّجري ( تـ ٤٩٩ هـ ) : ( ١٥٨٠ ) أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ الْحَسَنُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الزُّهْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ الزُّهْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : شَهِدْتُ الْمَوْسِمَ مَعَ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ : فَجَاءَ عَشَرَةٌ فَشَهِدُوا أَنَّا رَأَيْنَا الْهِلَالَ قَبْلَ النَّاسِ بِيَوْمٍ ، قَالَ : فَاغْتَمَّ هَارُونَ بِذَلِكَ , فَقَالَ : هَذَا أَوَّلُ حَجَّتِي , وَأَوَّلُ وِلَايَتِي ، قَالَ : فَجَمَعَ الْفُقَهَاءَ , فَفَرَّقُوا بَيْنَهُمْ , فَاخْتَلَفَتْ شَهَادَتُهُمْ ، فَقَالَ : مَنْ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : مِنْ أَهْلِ كَرْمَانَ مِنْ قَرْيَةِ فُلَانَةٍ فَأَمَرَ بِحَبْسِهِمْ , وَنَادَى فِي النَّاسِ ، قَالَ : فَجَاءَ أَهْلُ كَرْمَانَ , فَسَأَلَهُمْ عَنْ تِلْكَ الْقَرْيَةِ ، فَقَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هُمْ وَاللَّهِ زَنَادِقَةٌ لَا نُنَاكِحُهُمْ , وَلَا نُؤَاكِلُهُمْ ، قَالَ : فَدَعَاهُمْ , فَقَالَ لَا يُنْجِيكُمْ مِنِّي إِلَّا الصِّدْقُ , فَمَا أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : نَحْنُ قَوْمٌ زَنَادِقَةٌ نَجِيءُ , لِنُفْسِدَ عَلَى النَّاسِ حَجَّهُمْ ، قَالَ : فَدَعَا بِالسَّيْفِ وَالنَّطْعُ , فَضَربْتُ أَعْنَاقَهُمْ . « ترتيب الأمالي الخميسيَّة للشَّجري » .
وروى الأثر كذلك أبو نعيمٍ الأصبهاني ، قال : ( ٣٠٦ ) ثنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَشَّابُ أَبُو الْعَبَّاسِ رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَاصِمٍ ، حَدَّثَ عَنْهُ السُّرَيْجَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَمَّالُ ، ثنا رُسْتَةُ ، سَمِعْتُ آدَمَ بْنَ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَضَرَتِ الْمَوْسِمُ فِي أَوَّلِ وِلَايَةِ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَجَاءَ عَشْرَةٌ فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلَالَ قَبْلَ النَّاسِ بِيَوْمٍ , فَقَالَ لَهُمْ : مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : مِنْ أَهْلِ كَرْمَانَ , مِنْ قَرْيَةِ كَذَا وَكَذَا ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ ، فَأُحْلِفُوا ، فَاتَّهَمَهُمْ ، وَسَأَلَ عَنِ الْقَرْيَةِ , فَأُخْبِرَ أَنَّهَا قَرْيَةُ الزَّنَادِقَةِ , فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ ، فَأَقَرُّوا أَنَّهُمْ زَنَادِقَةُ يَحْضُرُونَ الْمَوْسِمَ يُفْسِدُونَ عَلَى النَّاسِ حَجَّهُمْ ، فَقَدَّمَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ . « تاريخ أصبهان لأبي نعيم - ط دار الكتب العلميَّة » .
فلمَّا أرادَ هارونُ الرَّشيدُ التَّثبُّتَ من حالِ القرية لم يؤاخذهُ بذلكَ العلماءُ كما يفعلُ الغلاةُ المارقة ، فيجعلونَ المخالفَ في ثبوتِ الخبرِ على الأعيانِ كالمخالفِ فيمن أقرَّ بالخبرِ ولم يكفِّرهم .
قال أبو بكرٍ الخلَّال : ( ١٧١٥ ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : ثنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى الْبَزَّازُ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي ، يَقُولُ : قَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ صُورٍ مُعَرَّفٌ بِالصُّورِيِّ مُتَكَلِّمٌ ، حَسَنُ الْهَيْئَةِ كَأَنَّهُ رَاهِبٌ ، فَأَعْجَبَنَا أَمْرُهُ ، ثُمَّ إِنَّمَا لُقِيَ سَائِلا فَجَعَلَ يَقُولُ لَنَا : الإِيمَانُ مَخْلُوقٌ ، وَالزَّكَاةُ مَخْلُوقَةٌ ، وَالْحَجُّ مَخْلُوقٌ ، وَالْجِهَادُ مَخْلُوقٌ ، فَجَعَلْنَا لا نَدْرِي مَا نَرُدُّ عَلَيْهِ ، فَأَتَيْنَا عَبْدَ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقَ ، فَقَصَصْنَا عَلَيْهِ أَمْرَهُ ، فَقَالَ : مَا أَدْرِي مَا هَذَا ؟ ائْتُوا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ، فَإِنَّهُ جَهْبَذُ هَذَا الأَمْرِ ، قَالَ أَبِي : فَأَتَيْنَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي أَلْقَاهَا عَلَيْنَا ، فَقَالَ لَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : هَذِهِ مَسَائِلُ الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ ، وَهِيَ سَبْعُونَ مَسْأَلَةً ، اذْهَبُوا فَاطْرُدُوا هَذَا مِنْ عِنْدِكُمْ . « السُّنَّة لأبي بكرٍ الخلَّال | تفريغ أبواب الرَّد على الجهميَّة » .
قال ابن بطَّة العُكْبَري : ( ٤٦٨ ) وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَاءٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ ، قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إِنَّ رَجُلًا قَدْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْجَانِبِ وَقَدْ قَعَدَ النَّاسُ يَخُوضُونَ فِيهِ ، وَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى عَبْدِ الْوَهَّابِ فَسَأَلُوهُ ، فَقَالَ : اذْهَبُوا إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، وَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْمَشْيَخَةِ ، فَلَمْ يَدْرُوا مَا يَقُولُونَ ، وَقَدْ جَاءُوا بِكَلَامِهِ عَلَى أَنْ يَعْرِضُوهُ عَلَيْكَ وَهَذِهِ الرُّقْعَةُ ، فَقَالَ : هَاتِهَا . فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ ، فَكَانَ فِيهَا : خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَنَا عُقُولًا ، وَأَلْهَمَنَا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ ، وَأَلْهَمَنَا الرُّشْدَ ، وَأَوْجَبَ عَلَيْنَا فِيمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْنَا الشُّكْرَ . فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : وَهَكَذَا إِيمَانُنَا قَوْلٌ وَعَمَلٌ ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَنِيَّةٌ وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ ، وَإِنَّمَا قُلْتُ : إِنَّهُ مَخْلُوقٌ عَلَى الْحَرَكَةِ وَالْفِعْلِ ، إِذْ كَانَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا عَلَى الْقَوْلِ ، فَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْإِيمَانَ مَخْلُوقٌ يُرِيدُ الْقَوْلَ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَبَعْدَ هَذَا يُعْرَضُ كَلَامِي عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، فَإِنْ كَانَ خَطَأً رَجَعْتُ وَتُبْتُ إِلَى اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ صَوَابًا ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، فَقَرَأَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ : وَإِنَّمَا قُلْتُ : إِنَّهُ مَخْلُوقٌ عَلَى الْحَرَكَةِ وَالْفِعْلِ ، فَرَمَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِالرُّقْعَةِ مِنْ يَدِهِ ، وَغَضِبَ شَدِيدًا ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا أَهْلٌ أَنْ يُحَذَّرَ عَنْهُ وَلَا يُكَلَّمَ ، هَذَا كَلَامُ جَهْمٍ بِعَيْنِهِ ، وَإِنَّمَا قُلْتَ مَخْلُوقٌ عَلَى الْحَرَكَةِ ، هَذَا مِثْلُ قَوْلِ الْكَرَابِيسِيِّ ، إِنَّمَا أَرَادَ : الْحَرَكَاتُ مَخْلُوقَةٌ ، هَذَا قَوْلُ جَهْمٍ ، وَيْلَهُ إِذَا قَالَ : إِنَّ الْإِيمَانَ مَخْلُوقٌ ، فَأَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ ؟ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ : الْإِيمَانُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَخْلُوقٌ ؟ ، قَالَ : مِنْ أَيْنَ هَذَا الرَّجُلُ ؟ وَعَلَى مَنْ نَزَلَ ؟ وَمَنْ يُجَالِسُ ؟ قُلْتُ : هُوَ غَرِيبٌ ، قَالَ : حَذِّرُوا عَنْهُ ، لَيْسَ يُفْلِحُ أَصْحَابُ الْكَلَامِ . ثُمَّ غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا ، وَأَمَرَ بِمُجَانَبَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : انْظُرْ كَيْفَ قَدْ قَدَّمَ التَّوْبَةَ أَمَامَهُ : إِنْ أَنْكَرَ عَلَيَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ تُبْتُ ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ أُنْكِرُهُ عَلَيْهِ . « الإبانة الكُبرى لابن بطَّة | باب القول فيمن زعم أنَّ الإيمان مخلوق » .
ومسألةُ خلقِ الإيمان مثلُ مسألةِ لفظي بالقرآنِ مخلوق لِما يدخلُ في ذلكَ الحركات وقد يخفى ذلكَ على العلماءِ وطلبةِ العلمِ ابتداءً فيُبيَّن لهم الحكم . قال مرَّار بن حَمُّوَيه ( تـ ٢٥٤ هـ ) : كَتَبْتُ عَنْ أَلفِ شَيْخٍ ، مَا رَأَيْتُ مِثْلَ الجُرْجَانِيِّ ، وَلَمَّا وَقَعَتِ المِحْنَةُ فِي اللَّفْظِ ، سَكَتَ الجُرْجَانِيُّ ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الحَدِيْثِ ، فَسَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ : ذَهَبتُ مَعَ صَالِحِ بنِ حَمُّوْيَه أَخِي المَرَّارِ ، فَوَقَفَ عَلَى مَجْلِسِ الجُرْجَانِيِّ ، فَقَالَ : مَا تَقُوْلُ فِي اللَّفْظِ بِالقُرْآنِ ؟
قال ابن أبي حاتم : يوسفُ بنُ خالدٍ السّمي البصري ، يُقال : إنَّما سُمِّي السّمي للحيتِهِ وسمتِه ، وكان صاحبَ رأي ؛ روى عنِ الاعمش ، وزيادِ بنِ سعد ؛ روى عنه القواريري ، والعبَّاسُ بنُ الوليدِ النَّرسي ، وأبو كامل ، وعبدُ اللهِ بنُ عاصمٍ الحِمَّاني ؛ سمعتُ أبي يقولُ ذلك …
قُرئ على العبَّاسِ بنِ محمَّدٍ الدُّوري ، قال : سمعتُ يحيى بنَ مَعينٍ يقول : يوسفُ بنُ خالدٍ السّمي كذَّابٌ زنديق ، لا يُكتَبُ حديثُه .
سمعتُ أبي وسألتُهُ عن يوسفَ بنِ خالدٍ السَّمتي ، فقال : أنكرتُ قولَ يحيى بنَ مَعينٍ فيه أنَّه زنديق ، حتَّى حُمل إليَّ كتابٌ قد وضعَهُ في التَّجهُّمِ بابًا بابًا ، ينكرُ الميزانَ في القيامة ، فعلمتُ أنَّ يحيى بنَ مَعينٍ كان لا يتكلَّمُ إلَّا على بصيرةٍ وفهم . قلتُ : ما حالُه ؟ قال : ذاهبُ الحديث . « الجرح والتَّعديل لابن أبي حاتم ( ٢٢١ - ٢٢٢ : ٩ ) » .
وقال أبو عثمان البَرذعي : شهدتُ أبا حاتمٍ يقول لأبي زُرعة : كان يحيى بنَ مَعينٍ يقول : يوسفُ السَّمتي زنديقٌ ، وعائذُ بنُ حبيبٍ زنديقٌ ، فقال له أبو زرعة : أمَّا عائذُ بنُ حبيبٍ فصدوقٌ في الحديث ، وأمَّا يوسفُ السَّمتي فذاهبٌ الحديث ، كان يحيى يقول : كذَّابٌ . « سؤالات البرذعي لأبي زُرعة الرَّازي ( ٣٨٤ : ٢ ) » .
وقال البخاري في ترجمةِ إبراهيمَ بنِ أبي يحيى الأسلمي : كان يرى القدرَ وكلامَ جهم ، تركَهُ ابنُ المبارك والنَّاس ؛ حدَّثَني محمَّدُ بنُ المثنَّى ، حدَّثَنا بشرُ بنُ عمر ، قال : نهاني مالكٌ عن إبراهيمَ بنِ أبي يحيى ، قلتُ : في أجلِ القدرِ تنهاني عنه ؟ قال : ليس في حديثِهِ بذلك ؛ قال يحيى : كنَّا نتَّهمُهُ بالكذب . « التَّاريخ الكبير للبخاري ( ١٠١٣ : ١ ) » .
قال يعقوب بن سفيان الفسوي : وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى أَخُوهُمْ ، جَهْمِيٌّ ، قَدَرِيٌّ ، مُعْتَزِلِيٌّ ، رَافِضِيٌّ ، يُنْسَبُ إِلَى الْكَذِبِ . « المعرفة والتَّاريخ ليعقوب بن سفيان الفسوي ( ٥٥ : ٣ ) - ط العراق » .
وفي حين كان الإمامُ الشَّافعيُّ يروي عن إبراهيمَ بنِ أبي يحيى . قال العجلي : إِبْرَاهِيمُ بنُ أبي يحيى الأسلمي مدنِيّ ، رَافِضِيٌّ ، جهميٌّ ، قدريّ ؛ لَا يُكْتَبُ حَدِيثُه ؛ روى عَنهُ الشَّافِعِي . « الثِّقات للعجلي ( ٢٠٩ : ١ ) » .
ونعيمُ بنُ حمَّادٍ المَرْوَزي لمَّا خاضَ باللَّفظ لم يستيقن من ذلكَ الإمامُ أحمدُ في البداية وقد بلغَهُ أنَّه يقولُ باللَّفظ . قال أبو بكرٍ الخلَّال : ( ٢١٠٩ ) سمعتُ أبا بكرٍ المرُّوذي يقولُ : أتيتُ أبا عبدِ الله ليلةً في جوفِ اللَّيلِ فقال لي : يا أبا بكر ، بلغني أنَّ نعيمًا كان يقولُ لفظي بالقرآنِ مخلوق ، فإن كان قالَه فلا غفرَ اللهُ له في قبرِه . « السُّنَّة لأبي بكر الخلَّال | الرَّد على من قال لفظي بالقرآن مخلوق من كتابِ الله وسُنَّة رسوله عليه السَّلام وأصحابه » .
وقد كان نعيمُ بنُ حمَّاد خاضَ باللَّفظِ فعلًا واستغفرَ منه . قال أبو بكرٍ الخلَّال : ( ٢١١٠ ) أخبرني محمَّدُ بنُ عبدِ الله الرَّحبيُّ بالرَّحبةِ ، قالَ : سمِعتُ مُؤَمَّلًا ؛ يعني ابنَ أهاب ، يقولُ : قلتُ لنعيمِ بنِ حمَّاد : ما حملكَ على هذه الكلمةِ أنْ قلتَ لفظي بالقرآنِ مخلوق ؟ فقال : واللهِ ما أرى بها إلَّا الاحتجاجَ عليهم ، فقلتُ : لا تعد ، فقال : أنا أستغفرُ اللهَ منها ما أردتُ إلَّا الاحتجاجَ بها . « السُّنَّة لأبي بكر الخلَّال | الرَّد على من قال لفظي بالقرآن مخلوق من كتابِ الله وسُنَّة رسوله عليه السَّلام وأصحابه » .
وقد أجمعَ أهلُ السُّنَّة على أنَّ من شكَّ في كفرِ من قال القرآن مخلوق ممَّن يفهم فهو كافر ومن كان جاهلًا عُلِّم . قال الرَّازيَّان في الإجماعِ الَّذي نقلاهُ عن علماءِ الأمصار : وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ ، وَمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ مِمَّنْ يَفْهَمُ فَهُوَ كَافِرٌ . « شرح أصول الاعتقاد ( ٣٢١ ) » .
وقال أبو حاتمٍ الرَّازي في سياقِ حكايتِهِ إجماعَ أهلِ الحديث : ومن زعمَ أنَّه مخلوقٌ مجعول فهو كافرٌ كفرًا ينتقلُ بِهِ عَنِ الملَّة ومن شكَّ فِي كفرِهِ ممَّن يفهم ولا يجهل فهو كافر ومن كان جاهلًا عُلِّم فإن أذعنَ بالحقِّ بتكفيرِهِ وإلَّا أُلزم الكفر . « طبقات الحنابلة ( ٢٨٦ : ١ ) » .
وقال أبو الشَّيخ الأصبهاني : وَمن شكَّ فِي كفرِ من قَالَ : الْقُرْآنُ مَخْلُوق بعد علمِه وَبعد أَن سمعَ منَ الْعلمَاءِ المرضيِّينَ ذَلِكَ فَهُوَ مثلُه . « الحجَّة في بيان المحجَّة ( ٢٤٠ : ١ ) » .
ولمَّا عُرضت على العلماء مسألةُ خلقِ الإيمان ولم يفهموها وأرادوا سؤالَ الإمامِ أحمدَ عنها لم يكفِّرهم لِما في المسألةِ من خفاءٍ في بدايتِها .
فَقَالَ مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : وَذَكَرَ الْحَجَّاجَ فَقَالَ : أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ . « السُّنَّة لعبد الله بن أحمد | سُئل عن الإيمان والرَّدِّ على المرجئة » .
قال أبو الفضل الزُّهري : ( ٢٧٤ ) نا أَحْمَدُ ، نا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، نا يَحْيَى بْنُ عِيسَى الرَّمْلِيُّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، قَالَ : اخْتَلَفُوا فِي الْحَجَّاجِ ، فَقَالُوا : بِمَنْ تَرْضَوْنَ ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : بِمُجَاهِدٍ ، فَأَتَوْهُ فَسَأَلُوا ، فَقَالَ : تَسْأَلُونِي عَنِ الشَّيْخِ الْكَافِرِ ؟
( ٢٧٥ ) أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْفَضْلِ الزُّهْرِيُّ ، نا أَحْمَدُ ، نا وَاصِلٌ ، نا عَمَّارُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْأَجْلَحَ ، قَالَ : اخْتَلَفْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ قَيْسٍ الْمَاصِرُ فِي الْحَجَّاجِ ، فَقُلْتُ أَنَا : الْحَجَّاجُ كَافِرٌ ، وَقَالَ عُمَرُ : الْحَجَّاجُ الْمُؤْمِنُ ضَالٌّ ، قَالَ : فَأَتَيْنَا الشَّعْبِيَّ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَمْرٍو ، إِنِّي قُلْتُ : إِنَّ الْحَجَّاجَ كَافِرٌ ، وَإِنَّ هَذَا قَالَ : الْحَجَّاجُ مُؤْمِنٌ ضَالٌّ ؟ قَالَ : فَقَالَ الشَّعْبِيُّ : يَا عُمَرُ ، شَمَّرْتَ ثِيَابَكَ , وَحَلَلْتَ إِزَارَكَ , وَقُلْتَ : إِنَّ الْحَجَّاجَ مُؤْمِنٌ ضَالٌّ ؟! وَكَيْفَ يَجْتَمِعُ فِي رَجُلٍ إِيمَانٌ وَضَلَالٌ ؟! الْحَجَّاجُ مُؤْمِنٌ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ كَافِرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ . « حديث أبي الفضل الزُّهري » .
قال البلاذري : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إسرائيل ، عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ - يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ - ، عَنْ ابْنِ عون ، أنَّ أبا وائلٍ سُئل عنِ الحجَّاج فقيلَ لَهُ : أتشهدُ أنَّ الحجَّاجَ فِي النَّار ؟ فَقَالَ : سبحانَ الله أنحن نحكمُ على الله ؟! . « أنساب الأشراف للبلاذري ( ٣٨٧ : ١٣ ) » .
وممَّن لم يكفِّر الحجَّاج الإمامُ أحمدُ فيما روى عنه أبو بكرٍ الخلَّال في « السُّنَّة » . قال أبو بكرٍ الخلَّال : ( ٨٥٢ ) وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، أَنَّ أَبَا الْحَارِثِ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، قُلْتُ : الرَّجُلُ يُذْكَرُ عِنْدَهُ الْحَجَّاجُ فَيَقُولُ : كَافِرٌ ؟ قَالَ : لَا يُعْجِبُنِي ، قُلْتُ : فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ يَلْعَنُهُ ؟ قَالَ : يَقُولُ : { أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ } ( هود : ١٨ ) . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : قَدْ كَانَ رَجُلَ سُوءٍ ، يَرْوِي عَنْهُ ابْنُ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ : الْمِسْكِينُ أَبُو مُحَمَّدٍ ، قَالَ : وَسَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ لَهُ : وَمَنْ يَرْعَ عَنْ ذِكْرِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ، وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَسَكَتَ ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ جَوَابًا . « السُّنَّة لأبي بكرٍ الخلَّال | ذِكر الفتن من بني أميَّة وغيرهم » .
وقد كان الحجَّاجُ فيما رُوي عنه ينكرُ قراءةَ ابنِ مسعود ويستحلُّ دماءَ المسلمينَ اعتباطًا ويخالفُ صريحَ القرآنِ في مواضع ، فقد روى أبو داود في « سُننه » بإسنادٍ صحيح : ( ٤٦٤٣ ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ : اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ لَيْسَ فِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ ، وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لَيْسَ فِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ ، لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَاللَّهِ لَوْ أَمَرْتُ النَّاسَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَخَرَجُوا مِنْ بَابٍ آخَرَ لَحَلَّتْ لِي دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ ، وَاللَّهِ لَوْ أَخَذْتُ رَبِيعَةَ بِمُضَرَ لَكَانَ ذَلِكَ لِي مِنَ اللَّهِ حَلَالًا ، وَيَا عَذِيرِي مِنْ عَبْدِ هُذَيْلٍ يَزْعُمُ أَنَّ قِرَاءَتَهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَاللَّهِ مَا هِيَ إِلَّا رَجَزٌ مِنْ رَجَزِ الْأَعْرَابِ مَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَام ، وَعَذِيرِي مِنْ هَذِهِ الْحَمْرَاءِ يَزْعُمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَرْمِي بِالْحَجَرِ فَيَقُولُ : إِلَى أَنْ يَقَعَ الْحَجَرُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ فَوَاللَّهِ لَأَدَعَنَّهُمْ كَالْأَمْسِ الدَّابِرِ . قَالَ : فَذَكَرْتُهُ لِلْأَعْمَشِ فَقَالَ : أَنَا وَاللَّهِ سَمِعْتُهُ مِنْهُ . « سُنن أبي داود | بابٌ في الخلفاء » .
فالشَّاهد أنَّ السَّلفَ يراعونَ المخالفةَ في ثبوتِ الأحكامِ على الأعيان أفرادٍ أو جماعات ، كما يراعونَ الخلافَ في حكمِ بعضِ المسائل ولا يتسرَّعونَ في تكفيرِ من لا يكفِّر بإطلاق ، وقد كان السَّلفُ لا يكفِّرون من لا يكفِّرُ الجهميَّةَ ممَّن لا يعرفُ كفرَهم ، كما اختلفوا في حكمِ بعضِ الأعيان والرِّوايةِ عنهم ،
إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا ، قَالَ عُمَرُ : فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ . « صحيح البخاري | باب قتل من أبى قبول الفرائض وما نُسِبوا إلى الرِّدَّة » .
وروى النَّسائي في « سُننه » : ( ٣٤١٧ ) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِمْرَانُ أَبُو الْعَوَّامِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ . قَالَ عُمَرُ : يَا أَبَا بَكْرٍ كَيْفَ تُقَاتِلُ الْعَرَبَ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ، وَاللهِ لَو مَنَعُونِي عَنَاقًا مِمَّا كَانُوا يُعْطُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ ، قَالَ عُمَرُ : فَلَمَّا رَأَيْتُ رَأْيَ أَبِي بَكْرٍ قَدْ شُرِحَ عَلِمْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ . « السُّنن الكُبرى للنَّسائي | تحريم الدَّم » .
الشَّاهد أنَّ عمرَ رضي الله عنه أنكرَ على أبي بكرٍ رضي الله عنه بدايةً قتالَ القبائلِ لشهادتِهِ بأنَّ الأصلَ فيهم الإسلام لإظهارِهِم الشَّهادتينِ وعدمِ إتيانِهِم بما يناقضُهُما ، فأخبرَه أبو بكرٍ رضي الله عنه بأنَّهم منعوهُ زكاةَ المالِ الظَّاهر فلم يقدر على أخذِها منهم إلَّا بالقتال والزَّكاةُ من حقوقِ الإسلامِ كسائرِ الواجباتِ الَّتي يُقاتل على منعِها بالشَّوكة . وهنا فائدة أنَّ الإمامَ الشَّافعي اجتهدَ ولم يقل بالإجماعِ المتقدِّمِ والمستقرِّ على تكفيرِ الطَّائفةِ الممتنعةِ الَّتي تمنعُ الإمامَ صدقةَ المالِ الظَّاهر فلا تصلُ إليه إلَّا بالقتال ، ولم يقع أحدٌ من أهلِ العلمِ بالإمامِ الشافعيِّ لخلافِهِ هذا فضلًا أن يتَّهموه بكفرٍ وضلال ، بل ما زالوا يثنونَ عليه ويرسمونَهُ بالإمامةِ في الفقهِ واتِّباع الآثار .
ومثلُ هذه الواقعة اختلافُ السَّلفِ في أمرِ الحجَّاجِ بنِ يوسفَ الثَّقَفي . قال يحيى بن مَعين : ( ١٩٤ ) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي الزُّبَيْرِ الدّرمكي ، قَالَ : قَالَ حَوْشَبُ بْنُ يَزِيدَ لَجَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ : يَا أَبَا سُوَيْرَةَ ، يَكْفُرُ الْحَجَّاجُ ؟ قَالَ : أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ ، بَلْ هُوَ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ ، بَرِيءٌ مِنَ الرَّحْمَنِ . « الجزء الثَّاني من حديث يحيى بن مَعين الفوائد برواية أبي بكرٍ المرُّوذي » .
قال أبو بكر بن أبي شيبة : ( ٩٥ ) أَخْبَرَنَا قَبِيصَةُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : عَجَبًا لِإِخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يُسَمَّوْنَ الْحَجَّاجَ مُؤْمِنًا .
( ٩٧ ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنِ الْأَجْلَحِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِالطَّاغُوتِ كَافِرٌ بِاللَّهِ ، يَعْنِي الْحَجَّاجَ . « الإيمان لابن أبي شيبة » .
قال أبو بكر بن أبي شيبة : ( ٣٠٥٩٧ ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنِ الْأَجْلَحِ ، قَالَ : قُلْتُ لِعَامِرٍ : إِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْحَجَّاجَ مُؤْمِنٌ , فَقَالَ : وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِالطَّاغُوتِ كَافِرٌ بِاللَّهِ .
( ٣٠٥٩٨ ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَبَا وَائِلٍ سَبَّ دَابَّةً قَطُّ إِلَّا الْحَجَّاجَ مَرَّةً وَاحِدَةً ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ بَعْضَ صَنِيعَهُ فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَطْعِمِ الْحَجَّاجَ مِنْ ضَرِيعٍ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ، قَالَ : ثُمَّ تَدَارَكَهَا بَعْدُ فَقَالَ : إِنْ كَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ إِلَيْكَ ، فَقُلْتُ : أَتَشُكُّ فِي الْحَجَّاجِ ؟ قَالَ : وَنَعُدُّ ذَلِكَ ذَنْبًا . « مُصنَّف ابن أبي شيبة | ما ذُكر من حديث الأمراء والدُّخول عليهم » .
قال عبد الله بن الإمام أحمد : ( ٦٧١ ) حَدَّثَنِي أَبِي ، نا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، قَالَ : يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ ، أَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ الْحَجَّاجَ مُؤْمِنٌ . قَالَ : وَقَالَ مَنْصُورٌ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : كَفَى بِهِ عَمًى الَّذِي يَعْمَى عَلَيْهِ أَمْرُ الْحَجَّاجِ .
وفي السِّياقِ ذاتِه ما جاء في الرَّهطِ منَ الأنصارِ الَّذين خُلِّفوا
عَنْ رسولِ اللهِ ﷺ فِي غزوةِ تبوك فندموا على ما فعلوا ولم يعتذروا إلى رسولِ الله ﷺ عند مقدمِه ويوثقوا أنفسَهم بالسَّواري ، فكان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ فيهم فرقتين إلى أن نزلت هذه الآيةُ الَّتي فيها إرجاءُ أمرِهِم إلى أن صحَّت توبتُهُم :
قال تعالى : { وَآخَرُونَ مُرْجَونَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ( التوبة : ١٠٦ ) .
قال الطَّبري : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَعْنِي قَوْلَهُ : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } ( التوبة : ١٠٣ ) أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ؛ يَعْنِي مِنْ أَمْوَالِ أَبِي لُبَابَةَ وَصَاحِبَيْهِ ، فَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُمْ ، وَبَقِيَ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خَالَفُوا أَبَا لُبَابَةَ ، وَلَمْ يُوثِقُوا ، وَلَمْ يُذْكَرُوا بِشَيْءٍ ، وَلَمْ يَنْزِلْ عُذْرُهُمْ ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ : { وَآخَرُونَ مُرْجَونَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ( التوبة : ١٠٦ ) ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ : هَلَكُوا إِذْ لَمْ يَنْزِلْ لَهُمْ عُذْرًا وَجَعَلَ آخَرُونَ يَقُولُونَ : عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ ، فَصَارُوا مُرْجَئِينَ لِأَمْرِ اللَّهِ ، حَتَّى نَزَلَتْ : { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ } ( التوبة : ١١٧ ) .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : { وَآخَرُونَ مُرْجَونَ لِأَمْرِ اللَّهِ } ( التوبة : ١٠٦ ) ، هُمُ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا عَنِ التَّوْبَةِ يُرِيدُ غَيْرَ أَبِي لُبَابَةَ وَأَصْحَابِهِ وَلَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ عُذْرَهُمْ ، فَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ، وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ : فِرْقَةٌ تَقُولُ : هَلَكُوا حِينَ لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ فِيهِمْ مَا أَنْزَلَ فِي أَبِي لُبَابَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَتَقُولُ فِرْقَةٌ أُخْرَى : عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ، وَكَانُوا مُرْجَئِينَ لِأَمْرِ اللَّهِ ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ رَحْمَتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ ، فَقَالَ : { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ } ( التوبة : ١١٧ ) الْآيَةَ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ : { وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا } ( التوبة : ١١٨ ) الْآيَةَ . « تفسير الطَّبري ( ٦٦٩ - ٦٧١ : ١١ ) » .
فالشَّاهد أنَّ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ لم يضلِّل بعضَهم بعضًا لخلافِهِم في ثبوتِ وتحقُّقِ الأحكام ، وسواءٌ ذلكَ في الأفرادِ والجماعات ؛ قال تعالى : { فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ۩ ۞ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ اذْهَب بِّكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ } . ( النمل : ٢٢ - ٢٨ ) إلى آخر الآيات .
فسبأ كانوا قومًا وأرادَ النَّبيُّ سليمانُ عليه السَّلام أن يتثبَّتَ منهم ولم يأخذ بشهادةِ الهدهد إبتداءً حتَّى جاءوهُ بجوابِهِم .
ومنَ السُّنَّة اختلافُ أبي بكرٍ وعمرَ رضي الله عنهما في مانعي زكاةِ المالِ الظَّاهر وكانوا قبائلَ عامَّة ، وفي هذا الأثرِ فوائد :
أخرج البخاري في « صحيحه » : ( ٦٤٤١ ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ ، قَالَ عُمَرُ : يَا أَبَا بَكْرٍ كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَمَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ
إِخْوَانُنَا تَخِمَتْهُمُ الْمَدِينَةُ فَاتَّخَمُوهَا , فَخَرَجُوا إِلَى الظَّهْرِ يَتَنَزَّهُونَ , فَإِذَا بَرَءُوا رَجَعُوا , فَقَالَ اللَّهُ : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ } ( النساء : ٨٨ ) , يَقُولُ : مَا لَكُمْ تَكُونُونَ فِيهِمْ فِئَتَيْنِ { وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا } ( النساء : ٨٨ ) . « تفسير الطَّبري » .
قال ابن أبي زمنين : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ } ، قَالَ مُحَمَّد : { فئتين } نصبٌ على الْحَال ، الْمَعْنى : أَيُّ شَيْءٍ لكم فِي الِاخْتِلَاف فِي أَمرِهم ؟ { وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا } هُمْ قوم من الْمُنَافِقين كَانُوا بِالْمَدِينَةِ ، فَخَرجُوا مِنْهَا إِلَى مَكَّة ، ثُمَّ خَرجُوا من مَكَّة إِلَى الْيَمَامَة تجارًا فَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَام ، وأظهروا مَا فِي قُلُوبهم من الشِّرك ، فَلَقِيَهُمْ الْمُسلمُونَ ، فَكَانُوا فيهم فئتين ؛ أَي : فرْقَتَيْن - فَقَالَ بَعضُهم : قد حلَّت دِمَاؤُهُمْ ، هُمْ مشركونَ مرتدُّون ، وَقَالَ بَعضُهم : لم تحلَّ دِمَاؤُهُمْ ، هُمْ قومٌ عرضت لَهُم فتْنَة ، فَقَالَ الله : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ } ، وَلَيْسَ يَعْنِي أَنَّهم فِي تِلْكَ الْحَالِ الَّتِي أظهرُوا فِيهَا الشِّركَ مُنَافِقُونَ ، وَلكنَّه نسبَهم إِلَى خبثِهِم الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مِمَّا فِي قُلُوبهم منَ النِّفَاق ، يَقُولُ : قَالَ بَعْضكُم كَذَا ، وَقَالَ بَعْضكُم كَذَا ؛ هلَّا كُنْتُم فيهم فِئَةٌ وَاحِدَة وَلم تختلفوا فِي قَتلِهم ؟ ثُمَّ قَالَ : { وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا } ؛ أَيْ : ردَّهم إِلَى الشِّركِ بِمَا كَانَ فِي قُلُوبِهِم منَ الشَّكِّ والنِّفاق ، { أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِد لَهُ سَبِيلَا } ( النساء : ٨٨ ) . « تفسير ابن أبي زمنين ( ٣٩٣ - ٣٩٤ : ١ ) » .
فالشَّاهد أنَّ السَّلفَ يراعونَ الخلافَ في ثبوتِ الكفرِ على النَّاس ولا يتسرَّعونَ في تكفيرِ من لا يكفِّرُ مطلقًا .
وفي سياقِ هذه الآية :
قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } ( النساء : ٩٧ ) .
وقال تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكِ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ } ( العنكبوت : ١٠ ) .
وهاتانِ الآيتانِ نزلتا في جماعةٍ منَ المنافقينَ فتنَهم المشركون فارتدُّوا عنِ الإسلامِ وخرجوا معَ المشركينَ يومَ بدرٍ لتكثيرِ سوادِهم كما أخرجوا رجالًا منَ المسلمينَ من بني هاشمٍ وغيرِهِم كرهًا من غيرِ قتال ، ولم تكفِّرهم طائفةٌ منَ الصَّحابةِ لاعتقادِهِم بأنَّهم كانوا منَ المسلمينَ الَّذين لم يقدروا على الهجرةِ لاستضعافِ المشركينَ لهم فبيَّنَ اللهُ نفاقَهم وأنَّهم غرُّوا عنِ الإسلامِ ولا عذرَ لهم . روى ابن أبي حاتم في « تفسيره » ( ١٧١٧٠ ) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَحْمَدُ الزُّبَيْرِيُّ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ شَرِيكٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَسْلَمُوا ، وَكَانُوا يَسْتَخِفُّونَ بِالإِسْلامِ ، فَأُخْرِجُهُمُ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَهُمْ فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ وَقُتِلَ بَعْضٌ ، قَالَ الْمُسْلِمُونَ : كَانَ أَصْحَابُنَا هؤلاء مسلمون وَأُكْرِهُوا فَاسْتَغْفِرُوا لَهُمْ ، فَنَزَلَتْ : { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ } إِلَى آخِرِ الآيَةِ ( النساء : ٩٧ ) ، قَالَ : فَكَتَبَ إِلَيَّ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ : لَا عُذْرَ لَهُمْ ، فَخَرَجُوا فَلِحِقَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَأَعْطُوهُمُ الْفِتْنَةَ ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ } ( العنكبوت : ١٠ ) إِلَى آخِرِ الآيَةِ ، فَكَتَبَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَخَرَجُوا وَأَيِسُوا مِنْ كُلِّ خَيْرٍ . « تفسير ابن أبي حاتم » .
( ٥٧٤٢ ) عن أبيه : ثنا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الأَعْرَجُ ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، ثنا أَبِي ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ ، أَنَّ نَفَراً مِنْ طَوَائِفِ الْعَرَبِ هَاجَرُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَكَثُوا مَعَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثُوا ثُمَّ ارْتَكَسُوا ، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَلَقُوا سَرِيَّةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَعَرَفُوهُمْ فَسَأَلُوهُمْ ما ردَّكم ؟ فَاعْتَلُّوا لَهُمْ ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ لَهُمْ : نَافَقْتُمْ ، فَلَمْ يَزَلْ بَعْضُ ذَلِكَ حَتَّى فَشَا فِيهِمُ الْقَوْلُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ } ، وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَالسُّدِّيِّ نَحْوُ ذَلِكَ .
( ٥٧٤٣ ) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ ، ثنا أَبُو أُسَامَةَ ، أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ } ، قَالَ : أَخَذَ أُنَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَمْوَالا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَانْطَلَقُوا بِهَا ، فَاخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمْ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَوْ لَقِينَاهُمْ قَتَلْنَاهُمْ وَأَخَذْنَا مَا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَقَالَ بَعْضٌ : لَا يَصْلُحُ لَكُمْ ذَلِكَ إِخْوَانِكُمُ انْطَلَقُوا تُجَّارًا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ .
( ٥٧٤٤ ) حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ حَمْزَةَ ، ثنا شَبَابَةُ ، ثنا وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلَهُ : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ } ، قَوْمٌ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ حَتَّى جَاءُوا الْمَدِينَةَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُهَاجِرُونَ ، ثُمَّ ارْتَدُّوا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَاسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ ﷺ إِلَى مَكَّةَ لِيَأْتُوا بِبَضَائِعَ يَتَّجِرُونَ فِيهَا ، فَاخْتَلَفَ فِيهِمُ الْمُؤْمِنُونَ ، فَقَائِلٌ يَقُولُ : مُنَافِقُونَ ، وَقَائِلٌ يَقُولُ : هُمْ مُؤْمِنُونَ ، فَبَيَّنَ اللَّهُ نِفَاقَهُمْ ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ ، فَجَاءُوا بِبَضَائِعَ يُرِيدُونَ هِلالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الأَسْلَمِيَّ ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ حِلْفٌ ، فَدَفَعَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ يُؤِمُّونَ هِلالٌ وَبَيْنَهُ وبين محمَّدٍ عهد . « تفسير ابن أبي حاتم » .
قال الطَّبري : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ : ثنا أَبُو سُفْيَانَ , عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَتَبُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا , وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ كَذِبًا , فلَقَوْهُمْ , فَاخْتَلَفَ فِيهِمُ الْمُسْلِمُونَ , فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : دِمَاؤُهُمْ حَلَالٌ , وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : دِمَاؤُهُمْ حَرَامٌ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا } ( النساء : ٨٨ ) .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ , قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سَلْمَانَ , قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ } ( النساء : ٨٨ ؛ ، هُمْ نَاسٌ تَخَلَّفُوا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ , وَأَقَامُوا بِمَكَّةَ , وَأَعْلَنُوا الْإِيمَانَ , وَلَمْ يُهَاجِرُوا , فَاخْتَلَفَ فِيهِمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَتَوَلَّاهُمْ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَتَبَرَّأَ مِنْ وَلَايَتِهِمْ آخَرُونَ , وَقَالُوا : تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُهَاجِرُوا , فسَمَّاهُمُ اللَّهُ مُنَافِقِينَ , وَبَرَّأَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ وَلَايَتِهِمْ , وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَتَوَلَّوْهُمْ حَتَّى يُهَاجِرُوا .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ : ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ : ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا } ( النساء : ٨٨ ) , قَالَ : كَانَ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ , فَقَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ : إِنَّا قَدْ أَصَابَنَا أَوْجَاعٌ فِي الْمَدِينَةِ وَاتَّخَمْنَاهَا , فَلَعَلَّنَا أَنْ نَخْرُجَ إِلَى الظَّهْرِ حَتَّى نَتَمَاثَلَ ثُمَّ نَرْجِعَ , فَإِنَّا كُنَّا أَصْحَابَ بَرِيَّةٍ , فَانْطَلَقُوا , وَاخْتَلَفَ فِيهِمْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : أَعْدَاءُ اللَّهِ الْمُنَافِقُونَ , وَدِدْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لَنَا فَقَاتَلْنَاهُمْ , وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا , بَلْ
قناة احمد علي على تيليجرام ( شروحات تقنية ، تطبيقات ، أفلام ومسلسلات ، خلفيات ، و المزيد )
Last updated 1 year, 3 months ago
يرمز تيليجرام إلى الحريّة والخصوصيّة ويحوي العديد من المزايا سهلة الاستخدام.
Last updated 1 year, 4 months ago
- بوت الإعلانات: ? @FEFBOT -
- هناك طرق يجب ان تسلكها بمفردك لا اصدقاء، لا عائلة، ولا حتى شريك، فقط انت.
My Tragedy Lies With Those Things That Happen in One Second And Remain
- @NNEEN // ?: للأعلانات المدفوعة -
Last updated 1 year, 5 months ago