قناة احمد علي على تيليجرام ( شروحات تقنية ، تطبيقات ، أفلام ومسلسلات ، خلفيات ، و المزيد )
Last updated 1 year, 3 months ago
يرمز تيليجرام إلى الحريّة والخصوصيّة ويحوي العديد من المزايا سهلة الاستخدام.
Last updated 1 year, 4 months ago
- بوت الإعلانات: ? @FEFBOT -
- هناك طرق يجب ان تسلكها بمفردك لا اصدقاء، لا عائلة، ولا حتى شريك، فقط انت.
My Tragedy Lies With Those Things That Happen in One Second And Remain
- @NNEEN // ?: للأعلانات المدفوعة -
Last updated 1 year, 5 months ago
مخيال معيوف
حيث تنمو الرواية بضمور الكائن السردي
من بيت شعر في صحراء تحتضن سماؤها المطر إلى البحر؛ تمتد رحلة رواية "مخيال معيوف " للكاتب الكويتي " عبد الهادي الجُميل " و الصادرة حديثا عن دار كلمات في ما يربو عن 440 صفحة من القطع المتوسط ، يشاغل فيها كاتبها جغرافية المكان ليصنع من خلالها الحدث المستهل بولادة طفل بإثني عشرة إصبع في رجليه مرورا بمنعطفات حياته و ختاما إلى البحر .
إن اشتغال الكاتب على تلك الجغرافية بتنوعها أفضى إلى تلوّن طبقات النص مما جعل الرواية أشبه برحلة تتنامى أشياؤها و تمتد أحداثها مع رحلة شخصية النص ( معيوف ) التي استأثرت بوعيه مُحيلة تفاعلات الشخصيات الأخرى إلى رسائل مضمرة على المتلقي أن يتحرى عنها في تلك الطبقات .
ومعيوف ؛ هذه الشخصية التي ترسخت بتركيز في النص بدء من عتبته إلى طبقاته و أخيرا إلى قفلته شخصية قُدمت بتعاكس مع النص نفسه ، ففي الوقت الذي تنمو فيه الأحداث و تتصاعد نجد أن الشخصية تضمر ، و نعني بالضمور هنا انفصال الشخصية عن هويتها ، و انفكاكها عن ذاتها القديمة التي تألفها و انشغالها الحثيث برغبة الخلاص من الراهن للعودة للماضي الأليف ، فكأن معيوفا -رغم ذكائه المتقد – و قدرته على تعليم ذاته بذاته من خلال كتب الطلبة المستغنى عنها في أعقاب السنوات الدراسية ، هو الذي لم يرتد مدرسة نظامية إنما تعلم بجهده الذاتي القراءة أولا و من ثم علم ذاته مضامين المناهج الدراسية ؛كأنه رغم كل ذاك قد سُجن في وعيه الطفولي الابتدائي حين عاش في تل السعادة مع طبيبة الإرسالية الأمريكية " إيفيلين " ، و حين عاد إلى نقطة البداية – بعمر فاق الخامسة عشر- توقع على ذكائه أن يجد الأمور كما كانت عليه و كأن الزمن توقف هناك في تلك النقطة الجغرافية : بحر الوطيةفي الكويت عشرينيات القرن الماضي.
يقول خلف والد معيوف لابن أخيه :
-مثل ما تشوف يزيد عمره و يزيد بلاه.
-يا عمي أنت تعامله مثل الخادم أو الراعي .
-ما منه فايدة . كل همه يرجع لنصارى الأمريكاني ،لايغشك بسكوته .
الرواية صفحة 302*
لقد انكفأ معيوف على ذاته متخذا الذاكرة ذخيرة فريدة للمضي قدما في الحياة ، منفصلا بوعيه عن المحيط ، رافضا الانتماء للصحراء ، نافرا عن الأهل و العشيرة ، متطلعا إلى العودة إلى طفولته المبكرة و تحديدا لعمر الرابعة ، حيث بدت تلك السنوات الأربع هي محور حياته المشكل لهويته الصادقة الوحيدة و لم تستطع السنوات المتقادمة التي فاقت العشر أن تحّيد ذلك الانتماء أو أن تبتني صلات مع الواقع .
و بصورة أشمل ، نجد أن هذا التعاكس أو لنقل التضاد يحضر في موضع آخر بالرواية ، حين تعتري الحيرة المتلقي في تحديد جهة تعاطفه مع شخوص النص : فهل يتعاطف من خلف والد معيوف الذي وجد ابنه المخطوف بعد أربع سنوات فاستعاده من الإرسالية إلى صحرائه ؟ خلف المتعصب لمنطق الصحراء الذي خسر المواطنة لعدم مرونته و عدم استجابته لنداءات التجنيس في تلك الحقبة مؤطرا عالمه بالإبل و الماشية و فضاء البادية .
أم يتعاطف مع الطبيبة إيفيلين الحاضنة معيوف من منظور الإنقاذ ، حيث استقبلته في مستشفى الإرسالية رضيعا على وشك الموت ، بإثني عشر إصبعا في القدم ، يظهر الكي في أكثر من موضع في رأسه ، يزهد به أهله و يصفونه بالشؤم . فتصارع إيفيلين حينها ذاتها بين واجب الالتزام بالمهنة و الأعراف العامة و بين الضمير و المسؤولية الإنسانية .
أم يتعاطف المتلقي مع معيوف ذاته ، الذي لم يجد لذة العيش إلا صحبة إيفيلين ، و صارع اغترابه في رحلته العمرية المتنقلة من بئر إلى بئر و من مربع إلى مربع في الصحراء الممتدة من الكويت إلى بادية العراق.
إن توصيف الغربة من منظور الطفل معيوف بدا في الرواية شديد التأثير ، و هذا من براعة الكاتب الذي وثق الرحلة بكتابة تشبه عرضا رباعي الأبعاد ، حيث تتفاعل تضاريس البيئة و ألوانها و أصواتها و عادات أناسها و أحاديثهم الجوانية و البرانية و طباعهم ، و تتجانس كل تلك العناصر لتحيل المتلقي إلى البادية الخاشعة عبر منظور معيوف ، فتفصح الحياة عن نفسها تارة و تطالب المتلقي بالتنقيب عن المُضمر تارة أخرى .**
ترسخ هذه السنة عددا من الكتب في ذخيرة الذاكرة ، أود مشاركتها مع القراء الأحبة مُلاك الصفحة و المكان ، ربما يجدون بها الأثر الجميل الذي وجدته بها .
١/ في مجال الرواية - أحبّ الفنون إلى قلبي :
-الجزآن الأوليان من ثلاثية أسفار مدينة الطين للكاتب الكويتي سعود السنعوسي . تقدم هذه الثلاثية جزءا من تاريخ الوطن عبر دمج عناصر ثلاث ( الواقع - الأسطورة - و التخييل ) ، و سرد الكاتب الذي يُشبه صورا ثلاثية الأبعاد من وصف و حوار و حركة مكّن متلقيه من عيش الرواية بتفاصيلها شاغلا بها حواسه و موقدا بها وعيه ، اليوم بعد أن اقتنيت الجزء الثالث أعاود قراءة الجزئين السابقين للبداية في اكتشاف سفر العفوز .
-أفكر كيف كتبت الروائية بثينة العيسى عملها الأخير دار خولة و أقر أنه من أفضل ما قرأت هذا العام ، و بعيدا عن الرؤى النقدية أحب مساحة الإفضاء الذوقية هذه حول عمل أقره الآن كنبوءة - للأسف - و أعبر فيه ضيق هموم الأسرة إلى الوقائع المحلية و من ثم العالمية الكبرى ، تدور الرواية حول خولة الأم و صراعها مع أبنائها الثلاث ، و بلغة بثينة العيسى الدلالية و المعيارية تفتح لنا ليلةٌ واحدة أحداث عمر كامل .
-رواية الاستدارة الأخيرة لـ الكاتب الكويتي أحمد الزمام :
أعتبر هذه الرواية تجربة مختلفة ، على صعيد البناء الرمزي و التأثيث الغرائبي للعمل ، و رسم الظروف الاستثنائية للمكان و الزمان و الشخوص على أن الرواية تعالج قضية الصراع النوعي الذي يفتحها على تنوع صور الصراع : الطبقي و العرقي و المذهبي و غيرها . فالرواية تقدم الواقع اللصيق بك و بإنسانيتك عبر طبقات مكثفة من الترحال ما بين اللذة و الألم ، و المُفضي إلى اكتشاف الذات : أليس من الجميل مزج المألوف بالغرائبي ؟
-رواية السيدة التي سقطت بالحفرة لـ الروائية إيناس حليم :
تقوم هذه الرواية على حادثة محفوظة في ذاكرة المكان ، تحولت مع الأيام إلى لغز مفتوح على عدة تفاسير و تأويلات ، و شخصية النص الأساسية تُلاحق تلك التفاسير آخذة متلقيها في متاهات الأحداث و إفادات الشهود و مقحمة إياه في البيوت و ثقافاتها و أسرارها ، هذه الرواية تدفع القارئ للركض في دروبها بلا ملل ، فهي مكتوبة بدهشة و إمتاع .
-رواية ق قاتل س سعيد للكاتب الكويتي عبد الله البصيص ؛ تحمل هذه الرواية ذاكرة جيلي ، الأمر الذي يوثق ارتباطي بها كلما تقادمت القراءة ، و رغم أن لائحتي هذه تعتمد على الانفعال الذوقي و الاستحسان الشخصي إلا أني لا أقدر أن أغفل براعة الكاتب في رسم الشخصيات ، و اشتغاله على جعلها مقنعة جد التجسد .
-رواية المصير الأرمد لـ باء الطبطبائي ، هذه الرواية التاريخية تبشر بقلم يستطيع النبش في التراث ليقدم خطابه . الجميل في الرواية أنها تخوض في أخيلة الشخصية النقيضة ؛ الأمر الذي يؤكد اختلافها عن نسخ الروايات العاشورائية المعتادة ، مع هذا لا أعتبرها رواية منغلقة مذهبيا فالناصة لا تبالغ بالمدح أو الذم بل تتخذ اللغة الموضوعية .
-أصوات المساء لنتاليا جينزبورج : تبرهن هذه الرواية على ألا مسطرة نقدية حاسمة و حازمة في كتابة الرواية ، و على أنه من الصعب تقديم المعايير على الدهشة .
هنالك الكثير من الروايات التي التزمت بقوانين الكتابة و بحدود المعايير غير أنها ما استطاعت اجتذاب قارئها و الخلود في ذاكرته ، و قد نجد أن الرواية الهاربة و القافزة على الحدود - و إن كان القفز هنا ليس بمعنى توليد شبكات من الإبداع بقدر نهج البساطة و السيولة الهادئة - تستطيع الإعلان عن صوتها و إرغام متلقيها على الالتفات .
-في رواية صخرة طانيوس لأمين معلوف أحببت اللغة و اكتشاف معارف تاريخية .
هذه الرواية و كما قال البطل تشبه الركض في ممرات التاريخ بل تشبه الركض على اسطوانة تستمر بالدحرجة و التقلب فهل يا ترى يواكب إنسان اليوم هذا الركض المستحيل ؟ أم يهوي ؟ أم يملك إرادته البادئة من ذاته الواعية ليوقف ذلك التقلب و يفهم أن التوازن مفتاح الاستمرار .
الإنسان في مركز الصراع
حول رواية الاستدارة الأخيرة لـ أحمد الزمام
" لقد أصبت بإرهاق شديد و يخيّل لي أني أركض على أسطوانة التاريخ التي لا تنفك تدور بلا توقف مقاوما السقوط إلى نهاية الحياة " ... الرواية
قدم الأدب العديد من التجارب الإنسانية ، و رفد الكثير من الأفكار ، ليحاكي التحولات و يستجيب للمتغيرات المتسارعة في الواقع ، و تأتي الرواية في طليعة هذه الأعمال التي تمس المتلقي بنحو شديد التأثير ، كلما صدقت مبانيها ، و أُحكم عمرانها .
رواية الاستدارة الأخيرة للكاتب الكويتي أحمد الزمام و الصادرة عن دار ميلاد -رشم – جدل ،رواية تحمل لمتلقيها تجرية إنسانية خالصة خارجة من اعتياد المألوف ، حاملة إنسانها –إنسان العمل – إلى مركز دائرة الصراع الذي يمتد صانعا ارتدادات متزايدة كلما تقدمت الأحداث .
إن هذه الرواية البليغة التأثير تحاكي الواقع بنحو مائز من التجريب ، بحيث أنها لا تدلقه بنمطيته ، بل تقدمه – مُرمزا - عبر مستويين ( متناظرين ) ، و دوائر عديدة من الحبكات . كي يكون ذلك التناظر مفتاحا لفهم الرواية – و بؤرة لدلالات المعنى ، و كي تقول الرواية لقارئها : الحكم الأخير لك ، لتقرر -بعد تلقي العمل – أن تدين أي جهة أو تقبل بأي جهة ، أو تقف مع إنسان الرواية في مركز الدائرة تماما- في المنتصف بلا تطرف - مقيدا بالأسئلة .
-التناظر و الصراع :
تقوم الرواية على صراع دائر بين سلطتين :الذكر و الأنثى ، و قبل أن نسم هذا الصراع بالطبيعي ، سنجد أن الرواية ترسمه بنحو مفجع ، قائم على : تهميش و امتهان و استضعاف كل طرف لآخر ، مما يجعل المهاد المكاني متشظ بسلطة طرف و مقموع بقهر طرف آخر في نطاق تبادلي بين السلطتين . وفي تلك الدائرة التي تبدو لا نهاية لها ، تتحرك الأحداث في مملكة – فانتازية – لها قوانينها و تفاصيلها و دستورها و طبقات شعبها ، و كل تلك العجائبية التي تحيل المتلقي لعمل ملحمي فريد من نوعه يُبدي صبرَ الكاتب و عنايته بالنص و تفاصيله .
في تلك الملحمة ، سيظهر جليا أن مملكة الرجل الخارجة من عمق سحيق من التاريخ ، ستناظر تماما مملكة الأنثى في البطش ، و ما بين المستويين المتناظرين العديد من الحبكات المتداخلة التي تحرك النص إلى وجهة يسعى لتوثيقها و إلى رسالة مبطنة لم تأت على ألسنة الشخوص و لم تنكشف في الأحداث غير أنها تتجلى بقوة في المصب الأخير التي تصب فيه جميع المآلات ، لتستمر الدائرة مرة أخرى . و هذا ما يمكن أن نسميه بالوجهة التي يتجه النص إليها ليخاطب المتلقي _إنسان التاريخ _ و يرشده إلى ضرورة فهم الحياة على كونها تكاملا و ليس صراعا .
إن التجارب الدموية التي قامت عليها مملكة الرجل ، لم تردع مبتدأ مملكة الأنثى من سلوك ذات الطريق ، مما صب المملكتين في المؤدى ذاته ، و استمر بشطر المجتمع إلى شطرين : مستبد و مستضعف ، و في قلب تلك الدائرة ظهرت شخصية النص : الفتى الكاتب ، المقدم بلا اسم ، الضاج بأسئلته .
و عادة ما تكون الشخصية هي ذاتا تتماهى مع الذات الجمعية في مجتمعها غير أن بطلنا ظهر في النص مختلفا ، لم يستطع أن يتماهى مع ضعف الرجل – في تلك الحقبة – و لم يقدر أن يستجيب لسلطة المرأة الباطشة بدءً من زوجة أبيه القاسية التي لقبها بالضفدعة إلى الملكة المجهولة ، و لم يستعر الكره الطافح في قلوب الرجال ضد المرأة فمال إلى نهج عمته التي لم تزل تجد أن الرجل كائن محترم يستحق الاحتفاء به ، و خفق قلبه للورا المتزنة .
هذه الشخصية التي تعاني أزمة الهوية لا تتكرر نمط المجتمع و لا تدور في تلك الحلقة المتبادلة بل نجدها تستمر بطرح الأسئلة ، و تخوض صراع المعرفة و التجربة عبر الكتابة تارة و لقاء رجل التاريخ تارة أخرى و عبر السفر إلى أزمنة النشأة الأولى لمملكة النساء ، كما أنها – شخصية الفتى الكاتب – تناظر شخصيات عدة ، حاولت التماس مع الذوات الأخرى لخوض مسّ الحقيقة ، عين الحقيقة بتضاريسها و خفاياها .. الحقيقة الغائبة .
-جسر اللغة :
لا يقتصر الحديث عن لغة النص على جمالياته و تجانسه مع مهاد الرواية الزماني و المكاني ، بل يمتد إلى اكتشاف كونها محركا فاعلا يدفع بالعمل إلى غاياته .
فاللغة في الرواية معيارية ، كأنما كتبت لها ، خاضعة أيضا لسلطة المملكة ، حيث تتضافر ( سردا - وصفا - حوارا ) لتشكل هوية المكان و ارهاصات سكانه . مثلا لا نجد لفظة ( الله ) في العمل مرة واحدة ، مع علمنا أن هذه اللفظة قد تحيل لعدة أفكار ، و قد يستخدمها النص سهوا بغرض الاستحسان أو الرجاء أو الوعيد ؛ لكن ذكاء الناص غيبها تماما ليُظهر خروج تلك المملكة ( عقائديا و معرفيا و ثقافة ) من كل التصورات المألوفة الممكنة و لتكون تلك المملكة عالما يقوم على السرد و يؤول إليه .
كما أن اللغة وظفت توظيفا معطاء في أماكنها في الرواية ، فنجد لغة السرد في المدينة و البيت و أروقة الجامعة تجانس منطلقاتها ، و تختلف عن لغة قرية العجوز بعجائبيتها ، و عن لغة سُعاة البريد و شيخ التاريخ .
"مسخ فرانكشتاين أمريكي و زائد دودية في أمعاء الدولة الريعية " و فئة ثالثة تنكفئ على ذاتها ، تهرب من مواجهة الماضي كي لا تلحقها لعنة الحاضر .
إن اختيار الكاتبة لرمزية السمكة في الغلاف ،و تطعيمها النص بحوض السمك الذي اقتات سكانه على أنفسهم يحيلنا إلى رمزية. السمك في الثقافة اليونانية و التي تدل على قداسة هذا الكائن لدى إلهة الحياة و الإنجاب ، و النص بوجهه الأول و الثاني مستغرق بقضايا الأمومة ، الأمومة اللامحدودة : أمومة السلطة و التكوين و الجراحات الأولى و الصراع بين ( التملك - الاستلاب ) .
و بإحالة أكثر خصوصية - و هذا من طبع النصوص الولادة التي تقول في كل استقراء كلاما جديدا – يستطيع المتلقي أن يطابق طبيعة حوض السمك على المجتمع الأخص ، فيستذكر كلمة " هامور " المتداولة في وصف فئة معينة من مجتمعه تستطيع بسلطتها أن تأكل السمك الصغير و تستفرد بالمكان .
على هذا ، يظهر السؤال موجعا ، في الاستدلال على الخطأ و الصواب ، في التمييز بين المفاهيم ، أتكون خولة الجانية ؟ أم أن الأبناء تاهوا و تغربوا ؟ و كيف ستنجو الأوطان و الأبناء ، فلا تصبح أطلالا ..لا يبكي عليها أحد .
دار خولة : جدلية البقاء و الفناء
تشيّد الروائية الكويتية بثينة العيسى مسارا جديدا في عالمها الكتابي ، يبدو لوهلة أولى عملا منطلقا من الهموم الاجتماعية للواقع المعيش ، و مآزق الإنسان المعاصر التي تُفتح على صراع الأجيال و خطوط التأثير الفكري للقوى الناعمة و الاستلاب الذي يٌمارس على الجيل ، و هذا بالطبع انطباع أولي لا يخلو من الصحة ، غير أن قارئ عملها الجديد المعنون بـ " دار خولة " و الصادر حديثا عبر منشورات تكوين سيكتشف عبر هذا المسار الجديد حقولا دلالية أخرى ، شاسعة جدا ، و خليقة بالتفكر . فالرواية على قالبها المكثف الذي يحيلنا لتجربة " نوفيلا " محدودة المهاد الزماني و المكاني ، الرواية هذه تشبه هزة ارتدادية ، مفجعة بـ ( الأسئلة و الرمزيات ) .
و قبل محاولة استقراء تلك الرمزيات لابد من التأكيد على أن ( دار خولة ) عمل سردي قافز على توقعات القارئ المتتبع لأعمال الكاتبةالتي اتسمت بالنفس الروائي الطويل و اللغة البليغة أو لنقل اللغة التمثيلية التي لطالما كانت رافدا من روح العمل ، ترفعه إلى أعلى مستويات التلقي و تشاطر: الحكاية و الحبكة و مآلات الشخوص ..البطولة و التأثير .
على أن هذه القفزة لا تستمد ألقها من الجِدة ؛فليست الجِدة معيارا لمتانة العمل لكنها تؤكد على أن بثينة العيسى تبرع في ما تفعل ، و على أن الإبداع المقرون بالتأثير لا يؤطر بأطر محددة ، فالناص " المؤثر " قد يقدم خطابه عبر نص روائي طويل ، أو نص مختزل ، أو نوفيلا كـ دار خولة : بمعمارها المكثف تفتح عباراتها المحدودة أبوابا عديدة للفكرة و الإسقاطات .
إن " دار خولة " بفصولها القصيرة ، و حواراتها الوليدة من رحم الحياة اليومية و ملامحها المعاصرة عمل تتلاقح فيه "الأصالة بالحداثة " و " المحدود باللامحدود " و يستمر من خلاله جدل التنقيب عن ثنائيات الخير و الشر في العمل ، بحيث يبقى المتلقي يحاور الشخوص التي قُدمت جميعها بمنظور الرواي العليم القريب ، أو الراوي العليم الغير موثوق به ، أو الرواي العليم المتعاطف مع الشخصية التي يحكيها – و هذا بالمناسبة لون خاص من السرد تبرع به الكاتبة - إذ يحتار حينها بوجه من يقف و مع من يتعاطف و أي من تلك الشخصيات سينحاز إليه و ربما يقف في صفه .
غير أن لعبة بثينة العيسى هي إخراج النص من غلافه المثالي لمحاورة الواقع و تمثيله باللغة الحسية النابضة ذات التضاريس ، لتتم مواجهته كما هو ، بلا رتوش و لا تزييف ،و بلا شخصيات ورقية تخرج من رواية متينة مكتوبة بأدوات سليمة ، بل بشخصيات من لحم و دم و فرادة تستمر بالإحالة للواقع ، حتى لكأن ضيفها القارئ يسمعها بصوتها و يشعر بحرارتها .
يدور العمل حول شخصية " خولة سليمان " و هي دكتورة التراث زوجة الشاعر قتيبة المتسمة بشخصية فريدة ، ناقدة ، بل مبالغة بنقد المجتمع ، و التي تعتمد على رؤاها الخاصة في تشكيل دستورها الحازم في معايرة ( المجتمع : الناس و الحياة ).
لخولة ثلاثة أبناء : ناصر – يوسف – حمد ، لكل منهم أسلوب مغاير في التعاطي معها وفق اتجاهين :
-خولة الأم .
-خولة الدكتورة : الشخصية الجدلية المشهورة .
و هذا التعاطي المتباين يبدأ من الفكرة الباطنية المشكلة منذ الطفولة الأولى و المارة بتجارب الصبا و سنوات النضج و من ثم ينطلق إلى الظاهر حيث مساحة التعالق المباشر .
تنمو الرواية في خط زمني محدود ، يبدأ منذ الصباح الذي أقرت فيه خولة أنها تكره التصابي و التأمرك ، و تعتز فيه بأوشحة الزمن و تقرر أن تجمع أبناءها على وجبة ودية كأية عائلة تلتم على ذاتها ، و تنتهي الرواية في مساء ذات اليوم حين يعود حمد أصغر الأبناء إلى البيت ليجده غارق في عتمته ، و ما بين البداية و النهاية ؛ و محدوية المدى الزمني و المهاد المكاني تناقش الرواية العديد من الأفكار ( عبر السرد و الوصف و الحوار ) ، حول المجتمع و الهوة بين الأجيال و سلطة الجماهير و غيرها .
هذا الوجه الأول للرواية ، بنقاشه لمشكلات الإنسان المعاصر ، قدّم بُعدا بالغ العمق في العمل ، و بدا كأنه يقول كل شيء و يفرد في وجه المتلقي كل هم ، كل قلق ، كل هواجس الصراع بين الأبوة و البنوة ، و مفاهيم الأصالة و التجديد ، و هذا أمر عظيم في الرواية . لكن هل هذا كل شيء ؟
أعتقد أن الكاتبة ، شكلت المعمار السردي بدقة متناهية ، و حسابات تبدأ من العتبة و تمر بالغلاف إلى اختيار الأسماء ، و تأثيث بيئة الصراع المكانية : حيث دار خولة بغرفة المعيشة و المطبخ و حوض السمك الخالي إلا من فقاعات الهواء ، مرورا بالحبكة الواعية على عبثيتها و انتهاء بالقفلة المفجعة .
فلم يكن عشوائيا عنونة العمل بـ " دار خولة " ، فخولة هي الأم ، و الأم هي الوطن ، و الوطن هو عالمنا الكبير ، و الأبناء هم فئات الشعب ، هم الأسماك التي تأكل بعضها بعضا ، و قد تحزبت و افترقت و تصارعت ما بين :
سكين النحت
ينحت في صلصال الإنسان وجع العالم
لطالما أُعجبت بحيلة الكاتب الذي يمرر وجعه دون اللجوء إلى اللغة البكاءة ، و يرسم المحنة و القلق و الخيبة و السؤال عبر تشكيل لغوي قادر على القفز على حواجز المحدود إلى اللا محدود ، فيصير النص حينها ناطقا بوجعه الأصيل و قادرا على قول المزيد ، أو يصير بؤرة مانحة بلا حد .
الكاتبة أفراح الهندال في مجموعتها القصصية " سكين النحت " و الصادرة حديثا عبر المؤسسة العربية للدراسات و النشر تلتقط من قلق الكائن ما يشكل منظومة فنية كبرى ، تستنطق الإنسان و الكون ، و مأزق الوجود في عالم مجنون تتوارى إنسانيته و تتبدى وحشيته .
جاءت المجموعة متنوعة ، تقدم قصصا قصيرة و قصصا قصيرة جدا ، تنظمها الناصة وفق نسق خاص ، تبدؤه بعتبة مقتنصة من مقتبسات تتفاعل تفاعلا خاصا مع النصوص المتوالية ، ليصير المضمون الكلي متناغما ، سيالا بالنسق و العتبات ، مما يرفع منسوب التأثير .
حاورت الناصة قضايا عديدة ، من فردانية الذات إلى وجع العالم ، من الطفولة المسحوقة إلى حيرة الجدة التي تطلب اهتماما عبر دخولها إلى أبواب البيت المختلفة و قطعها أحاديث الأحفاد ، من شتات الحروب إلى هواجس الكُتاب و أخيلة الشعراء ، من جوع الفقراء إلى أقفاص الأُسر المسمومة التي تخاف من ريش ينبت في خيال أفرادها المقيدين .
تقول الناصة في نص غرفتب قفص صغير :
" عرفت أنه كان يُفتش عن الريش في غرفتي حين وجدت من بين الأوراق المجعدة قصاصة كتبتُ فيها " ليتني حمامة " .
.
.
مجموعة سكين النحت تؤكد أن القصة منظومة فنية كاملة ، قادرة عبر أدواتها الجادة على سحب أنفاس المتلقي ، إذ جاءت لغة الكاتبة مانحة و مديرة لعجلة الحدث و ما قبله و ما بعده ، و تكوين النص بشكل عام بدا ملغوما بالاحتمالات التي تفجر آفاقا " ممكنة " للحكاية .
قناة احمد علي على تيليجرام ( شروحات تقنية ، تطبيقات ، أفلام ومسلسلات ، خلفيات ، و المزيد )
Last updated 1 year, 3 months ago
يرمز تيليجرام إلى الحريّة والخصوصيّة ويحوي العديد من المزايا سهلة الاستخدام.
Last updated 1 year, 4 months ago
- بوت الإعلانات: ? @FEFBOT -
- هناك طرق يجب ان تسلكها بمفردك لا اصدقاء، لا عائلة، ولا حتى شريك، فقط انت.
My Tragedy Lies With Those Things That Happen in One Second And Remain
- @NNEEN // ?: للأعلانات المدفوعة -
Last updated 1 year, 5 months ago