ناحيّة | أَحْمَدْ هَيْثَمْ

Description
حربُ تناقضٍ شعواء بين قديسٍ مُؤمن وفيلسوفٍ مُلحد..
We recommend to visit

قناة احمد علي على تيليجرام ( شروحات تقنية ، تطبيقات ، ‏أفلام ومسلسلات ، خلفيات ، و المزيد )

Last updated 1 year, 3 months ago

يرمز تيليجرام إلى الحريّة والخصوصيّة ويحوي العديد من المزايا سهلة الاستخدام.

Last updated 1 year, 4 months ago

- بوت الإعلانات: ? @FEFBOT -

- هناك طرق يجب ان تسلكها بمفردك لا اصدقاء، لا عائلة، ولا حتى شريك، فقط انت.

My Tragedy Lies With Those Things That Happen in One Second And Remain

- @NNEEN // ?: للأعلانات المدفوعة -

Last updated 1 year, 5 months ago

1 year, 3 months ago

شحت السماء بسِجافٍ رمادية مظلمة وانتحت الغربان نواحي المكان عشَّاً تنعب عليها وتبتلع الجهات فيها. وفي غرفته التي تبتدأ بها ردهة الباطنية 4، يحدث أنَّ كدرًا كبِيرًا كالبحر، يتدفَّقُ من وعاءٍ صغيرٍ كقلبِه، ذلك الكدر من هوله قادرٌ على أن يحمله ويرطمه، يرميه ويردمه في رمسٍ آسن..

مهموم من هولِ المستشفى وصرخات المرضى، كرجلٍ بلا يدين كتب إلى حبيبته التي يفتقدها، حتى أدرك إنها عمياء لن تقرأ، صماء لا تسمع بكماء لا تقول شيئًا غير الدندنة بلا معنى، متناسيًا عاهته المستديمة في إنه لم ولن يكتب شيئًا..

تحامل على ألمه وهو يفتح باب غرفة المقيم الدوري، حرونٌ يجابه دويّ تضارب الأفكار، لأنه يقترب من أبواب الفجر، ولكنه كلما خيل له أنه اقترب من بزوغ فجرٍ جديد، طارت الأبواب إلى أماكن مجهولة، وتابع الليل غزوه..

رأسه مليء بزجاجٍ مكسورٍ متناثر،  لذا كلّما تحرّك عقله، نزف وتألم من شظايا أفكاره. ألمٌ قديم، ليس غريبًا، بل كأنه وُلد معه، متشبث بروحه كما تتشبث الجذور بالتربة. إنه ألم لا يُنطق، لأنه لا يُفسَّر، أشبه بصدى يتردد في أعماق النفس دون أن يصله أي صوت خارجي، كأن الكون بأسره قرر الصمت، تاركًا إياه في مواجهة ذاته. الدموع التي تسقط ليست انسيابًا طبيعيًا للعاطفة، بل هي طوفان، يفيض من نبعٍ داخلي لا ينضب، كأنها محاولة يائسة لتخفيف العبء الذي يسكن صدره، عبءٌ لا يعرف إن كان من صنعه أم فُرض عليه..

الوجود كله يتوقف ويستدير صوبه مراقبًا إياه بنظرة بلا معنى وهو يعمل الإنعاش القلبي الرئوي لذلك الجسد المضعضع، أحسَ بالأرض من تحته مقابرًا مفتوحة، متى جنَّب عنها علِقت مِطرقة ملك الموت بين رجليه فتعثَّر بها. ها هو ذا المريض يفارق أحبابه وتتعالى الصرخات، الكلمات تتحشرج في حلقه فتخنقه، ليس لأنها ثقيلة، بل لأنها تحمل أوزانًا لا يقدر على احتمالها؛ معانٍ تتصارع، تتشابك، ثم تنفجر كبركان، لكنه بركان صامت. لم يكن هربه في وحدته من المعاناة خيارًا أو مهربًا، بل كانت قدرًا أقرب إلى لعنة. هي الجدار الذي يفصله عن العالم، لكنها أيضًا المرآة التي تعكس أعماقه المظلمة..

لم يكن البحث عن حقيقة الحياة والموت في وحدته ترفًا بالنسبة له، بل ضرورة مشوبة بالرعب. وكأنه كان يعرف أن الغوص في هذا المجهول قد يكلفه كل شيء، لكنه لم يستطع التراجع. شعور غامض، خليط من الفضول والخوف واليأس، دفعه للمضي قدمًا، وكأن القوة التي تسحبه نحو الأعماق ليست منه، بل من شيء أكبر، شيء يراقبه من بعيد، يسحبه بخيوط خفية نحو هاوية لا قرار لها..

كره دلهم الليل في تلك الخفارات، لكنه وجد فيه معنى لم يكن في متناوله في ضجيج الحياة، لعله استكشاف الضياء بشكل أكثر خفاءً داخل هذا الظلام، ليس بالضرورة كخلاص، ولكن كإغراء بعيد، كشعاع خافت لا يدري السائر في الظلام إن كان سرابًا أم طريقًا. كره نفسه، لكنه أدرك أن الكراهية هي جزء مما يجعله يواصل البحث، وكأن الألم ذاته أصبح معلمه. كل خطوة إلى الأمام بين آسرةِ المرضى كانت تمزق قلبه، لكنها في الوقت ذاته كانت تفتح نافذة صغيرة نحو شيء غامض، شيء ربما لن يفهمه أبدًا، لكنه كان يعلم، في أعماق نفسه، أنه الشيء الوحيد الذي يستحق العناء..

1 year, 6 months ago

في صباحٍ كئيب يلفه ضباب رمادي، حيث كانت زخات المطر تُداعب شعره المتناثر بهدوء، وكأنها أنامل خفيفة تتسلل نحو روحه، قطرات رقيقة كالنسيم، تنساب برفقٍ على وجهه المتعب، وتنبجس من على أطراف ثيابه وعيونه المرهقة خلف زجاج النظارات التي غشاها ضباب بارد خافت. تئن الجدران من غزارته، وتتطاير القطط من قطرِه، ويُرى أثر العجلات على بركةٍ صغيرةٍ من الماء فتقذفه..

رجلٌ يسير بخطى متعثرة قلقة يائسة خائفة راجفة، وحيدًا مرهقًا، متجهمًا بوجه غارق في مستنقع حزنٍ لا نهائي، تحت سماء ملبدة بالغيوم، لا يعرف على وجه اليقين إذا كانت تحمل له المطر أم الظلام الذي بات يثقل كاهله. الهواء بارد، الدخان المُتصاعد من الأكواب المليئة بالقهوة والشاي يمنة ويسرة، الصوتُ الناجم عن غزارةِ زخات المطر بسقوطها على زجاج المباني، الشوارع تئنّ تحت وقع قدميه، وكأنها تسابق الزمن أو كأنها صرخة لروحٍ تهيم في عوالم بعيدة، تسير بلا هدف، تُحاول أن تبحث عن شيء ضائع منذ الأزل، تحاول أن تلتقط ما تبقى من شتات فتات روحه قبل أن يتلاشى كغيره من الأشياء العابرة..

تابع سيره متوشحًا خيباته، متجهًا في وجل قلبه قاصدًا المستشفى التي يمضي فيها ساعاتٍ طوالًا كمقيم دوريّ، ذلك المكان الذي يراه كمصدر النور الوحيد الذي يلمع من بعيد، ولكنه يحتضن بين جدرانه وجوهًا متعبة لا تختلف عنه كثيرًا؛ عيون تائهة، أرواح تئن بلا صوت، وألم ينبض كجمرٍ مخبأ خلف حواجز من الصمت. تمضي الساعات هناك كأنها حلقة دائرية من عذاب لا ينتهي حيث الألم، والشفاء الذي لا يأتي إلا كزائرٍ عابر. تمرّ القطرات أمام عينيه واحدةً تلو الأخرى، يراقبها حتى تجفّ على الإسفلت البارد، وكأنّها أرواحٌ مشنوقة شاقوليًا بين السماء والأرض..

وفي تلك اللحظة، تملكه شعور قاتم بأن المطر الذي يسير فيه ليس إلا استعارة غامضة لروحه، تائهة بين السماء والأرض، تبحث عن قرار ولا تجد سوى الفراغ. هي وحدة القطرات ذاتها؛ تتساقط دون أن يبالي بها أحد، تتلاشى دون أن تنتبه لها عين، تعبر إلى مصيرها بهدوء كئيب، وحدها الحقول البعيدة، تلك الأرضي الجافة، تنتظر بصمتٍ لحظة استقبالها، تمتصها بلهفة كما لو كانت تبكي عليها. أليست هذه هي الحياة ؟ نمضي ونسقط، نجاهد ونحلم، ثم تتلاشى آثارنا كما تتلاشى آثار المطر على الأسفلت، دون أن تُخلّدها ذاكرة الزمن..

ولربما، نحن البشر، في أغوار أعماقنا وذاكرتنا، كلما داهمتنا زخات المطر، مضينا مغمسين أقدامنا في الطين، نحاول أن نستعيد شيئًا من أنفسنا القديمة، شيئًا من ذواتنا الأولى. كأننا نسعى، بشكلٍ غريزي، إلى العودة إلى تلك المادة الأصلية التي منها خُلقنا، نغوص في الطين بأحذيتنا، نطبع عليه بصمات لا يدوم منها سوى الذكرى، ونحن نعلم أنها ذكرى زائلة، مثلنا، مثل كل شيء آخر..

وكأن الطين تحت أقدامنا هو صورةٌ عميقة عن وجودنا الهش ومرآة لوجودنا، فنحن نسعى، نحن نكافح، نترك آثارًا، وندرك، في أعماقنا، أن كل ما نفعله، كل تلك البصمات، ليست سوى ظل لرحلة قصيرة، نُدرك في أعماقنا أنها ستُمحى. نسافر عبر هذا الزمن القصير كظل هارب، غير قادرين على القبض على جوهرنا، ولا على إحكام قبضة يدينا على شيء سوى وهم..

1 year, 6 months ago

جالسٌ على ضفافِ ذاته، لا على شاطئٍ يعجّ بالحياة، بل في زاويةٍ معتمةٍ موحشة من روحه، حيث الصمت وحده من يتكلم، وحيث لا ألوان للحياة سوى دلهم تراكم كالصدأ على زجاج نفسه، يراقب ما يجرفه تيارُ فكرةٍ عابرة، لا يعرف لها مصدرًا ولا يتنبأ لنهايتها، كأنما تسرّبت من عالمٍ غير عالمه. لقد بهتت ألوانه، تلك الألوان التي كانت ذات يومٍ زاهيةً تتوهج كبريق الحياة. أصبحتْ ألوانه مسروقة، باهتة وتجردت من سحرها، تمامًا كما يُجرد الشتاء الأشجار من أوراقها، تاركًا خلفه ذلك العري المُوحش..

ضوءه الداخلي خافت، أشبه بشمعةٍ في مهبّ ريحٍ خريفية باردة. لم يعد ذلك الشخص الذي يتدفق حديثه كالنهر، بل استبدل كلّ تلك الكلمات بإيماءةٍ صامتة، كأن صوته يخشى أن يثيرَ في نفسه رغبةً للهروب..

الدمل الذي نضج في قلبه، قد إنفقأ، هو يعرف في عمق روحه أنه في أزمة، أزمة ليست كالتي يواجهها الآخرون، بل أشبه بعاصفة داخلية تأتي وتذهب دون سابق إنذار، ولا سبيل لتجنّبها أو حتى مواجهتها بصدق. لا يملك وسيلةً للتعبير، يعيش كأنما هو شبحٌ يتنقّل بين البشر دون أن يشعر به أحد، وكأن ما كان يبعث فيه فرحة الحياة قد رحل، تاركًا خلفه بقايا ذكرى. صار يعيش في ظلّ الرجاء وحده، ذاك الرجاء المجرّد، الذي لا يعده بشيء سوى بصيص أمل قد يسطع يومًا ما..

وفي لحظةٍ من اليأس، حينما خانته قدماه وغرقَ بين أمواج خياله المتلاطمة، راح يستسلم لتلك الأفكار المتسارعة، تلك الأسئلة التي تقاطرت عليه كالمطر في ليلةٍ عاصفة، تلاحقه أسئلةٌ كالسياط، تهوي على عقله بقسوة، متشابكة كأنها ترسم متاهةً لا يمكن الفكاك منها. أسئلةٌ جمّة، بعضها يناقض الآخر، بعضها تافهٌ كحلمٍ لم يرَ النور، وبعضها غارقٌ في الفلسفة، كلها تربكه، ثم يبرز بينها سؤال لا يمت بصلة إلى كل ما حوله، لكنه سكن في زاويةٍ من عقله كحقيقةٍ لا يمكن نكرانها: ما قيمة الذهب الآن ؟ في هذه اللحظة التي تبدو فيها الحياة جوفاء، ما قيمة ذلك المعدن اللامع ؟ أهو رمزٌ للثراء فقط ؟ أم هو أداةٌ أُلبست قناع السعادة ؟

قال للبحر أن يمضي في تهويدته السائلة الماضية في جريانها المحفوظة في فِجاج الصحراء، ثم يكتحل جميعه بسُهاد الليل في طَقس يرواح بين الحزن و الحبور أغرودة الموتِ ميلاد في هذه الفلاة..

وفي انحداره خلال سيل تلك الأفكار، وجد نفسه قريبًا من خشبةٍ عتيقة، ملتصقة بجرفٍ آيلٍ للسقوط، وها هو الآن يتشبّث بها بكل ما أوتي من قوة، حرونًا دونما أدنى رغبةٍ في أن يفلت. تلك القطعة التي لا يأبه لها أحد، التي ربما لا تزن شيئًا في عيون الآخرين، صارت فجأةً أعظم قيمةً من الذهب ذاته، أبهى وألمع، إذ إنّها لا تُمثل ثراءً زائفًا، بل ترمز لفرصةٍ وحيدة، لسبيلٍ للنجاة وسط محيطٍ من الأفكار المتلاطمة..

وربما، في هذه اللحظة العجيبة، تذكّر أنّ قيمة الأشياء لا تكمن في ذاتها، بل في توق الإنسان إلى النجاة، في عمق إحساسه حين يتشبّث بشيء، وإن بدا تافهًا في عين العالم، وإن الأشياء ذاتها في عين الإنسان تبدو نسبية قابلة للتمازج والتغاير والتلاون، تبعًا لما تقف عليه في تلك اللحظة دون غيرها بالذات..

1 year, 7 months ago

فكان أعمى عما تراه تلك الأبصار، ليس بالبصر ذاته، بل عن تلك الرؤى التي تسكن عيون الآخرين. كان غريبًا في إحساسه، عاجزًا عن استشعار ما يستثار في قلوبهم، وكأنه يسير في دربٍ مختلف، لا يرى منه إلا ظلاًلا خفيفة باهتة تمر كالطيف أمام عينيّه...

حتى المآسي التي كانتْ تمسهم، لم يكن يستقيها من ذات الآبار. كانت آلامهم سريعة الزوال، تتماوج فوق سطح مشاعرهم، بينما كان هو يغوص في أعماقٍ أكثر عتمة، في أماكن لا تطالها أيديهم، وكأنه يستقي ألمًا لا يعرفه سواه ويغص به من شدة الإزدراد..

ولم يرقص قلبه على ألحان ذلك المعيار، في تلك العتمة، يقف صامتًا، عاجزًا عن الرقص على ألحان الحياة التي تشعل أرواحهم. كأن هناك واديًا سحيقًا يفصل بينه وبينهم، لا جسر يعبره ولا نور يهديه. كان يسير في وادٍ من الصمت، حيث الألحان التي عرفها لم تعد تُسمع، وإيقاعات العالم التي يحياها الجميع باتت غريبة عليَّه، كأنه يعيش في كونٍ آخر، بعيد عن وقع خطواتهم..

وفي كل أمرٍ أحبه، كان وحيدًا، متوارٍ عن الأنظار، يعيش بين طيات ذلك الحب في عزلة. لم تكن عزلةً اختارها، بل عزلة فرضها عليَّه ذلك التباين العميق بين ما يشعر به وما يشعرون هم. كانوا يحيون في عالم مشترك، بينما كان يحتضر بسكونٍ وصمت في عالم منفصل، حيث لا صوت يصل ولا نور ينبعث..

وهكذا، كان يتسائل، في كل لحظة: هل هذه العزلة هي قدره، أم لعنة أُسقطتْ عليَّه ؟ هل هو ضحية لهذا الوجود، أم أنه يفر منه بوعيه ؟ لقد أصبحت العزلة جزءًا منه، تلاحقه كظله، تتغلغل في كل لحظة من حياته، تشد ساعده وتسحبه من وجوده وكيانه، حتى باتت وكأنها رفيقه الأبدي. لكنها رفقة ليست من اختيار قلبه، بل من نسج الزمن..

1 year, 7 months ago

تموز ٢٠٠٦، وفي ميعةِ الصبا أهرول في الصالة وأحِدثُ بعض الشغب، وإذا بوالدي يطلب مني الصمت فورًا. وها أنا ذا جالسٌ بجانبه- بعد مماطلةٍ مني- وهو ينتظر بحماسٍ خطابًا ما، خطابًا لرجلٍ شهمٍ، ينبجس الكلام من والدي وينطلق في حديثه عنه وكم إن هذا الرجل عظيم، وإنه رمزٌ من رموز الجهاد الضائعة..

أتسأل عن ماهيةِ الجهاد !! وها هو يظهر أمامي على الشاشة ويزدان ظهوره بحشودٍ غفيرة تهتف وتنادي. هو يشبه الهوية عندما يكون المرء مغتربًا؛ ففي عالمٍ حديث يعج بالفوضى والغرابة ويلقى الحبل على الغارب، كان الكينونة التي يُستدل بها عن هدف الإنسان الأسمى، وكيف لا، وتجري في عروقه دماءٌ سامية من محمدٍ وعلي..

كأنه مرآةٌ تعكس أعماق النفس الضائعة في غربتها، يشبه تلك الأفكار العميقة التي تضطرب في الإنسان، حين يجد الفرد نفسه منغمسًا في صراعات الوجود، باحثًا عن المعنى وسط تيارات الحياة المتلاطمة. كأنه الفكرة العميقة التي تتسلل إلى العقل في سكون الليل، تجسد الوجود في أحلك لحظاته وأشدها تشابكًا. عندما أنظر إليه، أرى انعكاسًا لنفسي الضائعة في متاهات الغربة، وأجد فيه تلك الحتمية الوجودية التي تسبر أغوار الروح البشرية، فتضيء لي طريق العودة إلى من أنا حقًا..

أنتَ، كلماتُكَ، أو صمتُكَ، كلاهما يحملان نفس الثقل في ميزان حياتي، كل حركة منكَ، كل التفاتة عابرة، تترك في نفسي جرحًا لا يلتئم، والتئامًا لا ينجرح مجددًا..

وها قد نلتَ ما طلبتَ وسعيتَ في سبيله وكنتَ رمزًا من رموزه، إنا لله وإنا إليه راجعون. كنتَ وستبقى تشبهُ خصلات شعر الأمهات المبيضّة قويةً وحانيةً ! وسرٌ لا ينصهر مهما تداعى من حوله السواد..

1 year, 8 months ago

وفي أعماق كهفٍ دلهم، وسط عتمة تبتلع كل ما حولها فلا يرى المرء يده من فرط الظلام، حيث تتعانق الصخور وتتشابك الظلال، تتفتح وردة نادرة في ظلمةٍ لا يصل إليها ضوء النهار وكأنها لغز من أسرار الكون. هذه الوردة، التي تتحدى قوانين الطبيعة، تنبثق من الأرض الصخرية، متشبثة بوجودها الهش كأنها رمز للمعاناة الإنسانية المستمرة. لونها الأزرق الغامق يلمع ببريقٍ خافت، يشبه لمعةَ الأمل المتجدد في عين شخصٍ يائس..

في هذا الكهف، كل شيء يبدو ساكنًا وموحشًا، سوى صوت قطرات الماء التي تنهمر من السقف وهمسات الرياح التي تتسلل عبر فتحات الكهف، كأنها دقات قلب بطيء، ينبض بالحياة في مكان يبدو وكأنه مات منذ الأزل..

ها هي الوردة، روحٌ معذبة وجدت ملاذها الأخير في هذا المكان المنعزل، متحديةً الظلام، الوحدة والسكون، محتفظةً بجمالها الغريب والساحر. يقول البعض أنها تحمل قوى سحرية وتجلب الحظ لمن يعثر عليها. نادرًا ما يتمكن أحد من رؤيتها، ولكن لأولئك الذين يحالفهم الحظ، تكون تجربة مشاهدة هذه الوردة في موطنها الطبيعي بمثابة رحلة إلى قلب العجائب الخفية للطبيعة..

ربما تكون هذه الوردة تجسيدًا للحظاتٍ نادرةٍ من الجمال الظاهرةِ وسط أحلك الظروف، أو رمزًا للروحَ البشرية التي تبحثُ عن النور حتى في أحلك الأوقات. إنها دعوة للتأمل في قوة الحياة وقدرتها على البقاء والنمو حتى في أكثر الأماكن قسوة، وكأنها درس من الطبيعة في الصمود والأمل..

إنها ليست مجرد وردة، بل هي قصة كاملة من الكفاح والأمل، تنبض بالحياة في أعماق غياهب الأرض، حيث لا يصل إلا أولئك الذين تجرأوا على مواجهة الظلام..

1 year, 9 months ago

نخرج من الصندوق، أي صندوق ؟ بماذا استدللنا على كون هذا الصندوق قاعًا منتنة يستوجب الخروج منها ؟ وكيف نخرج منه، هل نملك الموهبة التي يعزى له الفضل في الخروج، دون غيرنا من البشر، من تجويف ذلك الصندوق ؟

أوليس خروجنا من ذات الصندوق، ما هو إلا خروجٌ من صندوقٍ نتج عن خروجٍ من صندوقٍ سبقه ؟ وما يدرينا لعل الصندوق الجديد الناجم من عملية الخروج، ما هو إلا خطأ هندسي في مخطط الصندوق، لن يتم استكشافه إلا بعد إتمام البناء..

1 year, 11 months ago

ربما كان هكذا، شخصيةً ثانوية في هذه الحياة لا تراعى حرمتها، كشخصيةٍ خيالية في عالم القصص المصورة تُقتل بوحشيةٍ لأظهار شراسة الشرير، كبيضةِ طائرٍ مسكين ألقاها صغير الوقواق اللئيم من ذرى عالٍ لتنفقس. ذلك المنزوي عن ناصية الطريق، الواقف تحت ظل الشجرة، المحملق في الأفق البعيد غير آبهٍ بشيء، أو هذا ما نظن، على إنه ما برح يخفق قلبه خفقةً إلا والدماء تنثر هرمون الأدرينالين على مستقبلاته بغزارة، هاجسٌ من الروع يشحذ براثمه على جلده الرقيق، وها هو ذا يتفصد عرقًا وأمتقع وجهه حين غرةٍ، وإذا بنا ندرك أنه كان يحدق بإتجاه إحدى المستشفيات، كانتْ ترقد فيها طفلةٌ لم تبلغ العاشرة من العمر.. هي أبنته، كانت مُصابة باللوكيميا..

وهو في حال الهلع تلك، راودته فكرةٌ، ما برحتْ بين الفينة والأخرى إلا وتقض مضجع هاجسه، عن عدلِ رب هذا الكون، بيد إنه لم يجد جوابًا يشفيّ غليله. وقد أتفق له فيما سبق أن يتصفح بهاتفه المعطوب الذي تكسرتْ من كثرة السقوط شاشته، إحدى تلك المنتديات التي جرتْ العادة أن يتم فيها النقاش والتحاور. ومن غرابةِ الصدف أن نقاشًا استعر لهيبه داخله حول عدالة آلله، غير أن ذلك النقاش لم يزده إلا حنقًا، فنزقٌ يتهمون خالقهم بهتانًا بالظلم، بلغ أوار حنقه، أنه كاد أن يهجوهم بهجاء لاذعٍ قاذعٍ ويلجمهم بجوابٍ يفيق له الهلاك من مراقدهم، ولكنه تردد، والحق أنه لم يستطع..

أخذ يتمشى وهو يترنح من لظى آلامه، لم يعد يستطيع العودة إلى مسكنه..لم يكُ مسكنه بالأحرى بل كان إيجارًا، وفي حين إنه في حال الفقر المدقع- مما تخاف الفئران منه- الذي أخذ يتدهور مع مرض ابنته، فغدى لا يملك مالًا كافيًا ليسدد فاتورة الإيجار، فلم يملك خيارًا إلا أن يخرج منه. قد هجرته زوجته قبل مدةٍ، لأنها وحسب قولها لا تحتمل هذا العيش، هجرها الذي أشاح النظر عنه، ‏لم يُغادر ذاكرته أبدًا. ربما ابنته أفضل حالًا في المستشفى فعلى أقل تقدير هنالك مأوى ومأكل..

توقف برهةً في تلك الظهيرة الحارقة والرياح السافية وقد انتصفتْ الشمس في لجة السماء، بل لعلها ذابت فيها، فأخذ يتفحص مَن يمر مِن جانبيه ذهابًا وإيابًا. لقد رشقه بعضهم بنظرةٍ سمجة مشمئزةٍ لا تخفى، فمنظره الذي طغتْ عليه الأسمال الرثة- التي تأكلتْ بعضٌ من جوانبها من كثرة الغسيل- يبعث على ذلك، ولكن ما تلك بمفاضلة البتة. والأنكى أن أحدهم دفعه وكأنه يدرء الأذى عن مسير الشعب وكأنه زجاجة مكسورة أو ما شابه، تلك الدفعة أوقدت جذوةً خافتةً في قلبه، بل كاد مع كل ما فيه من ألم وحنقٍ عارمين أن يلكم الرجل لكمةً تتساقط منها أسنانه كما تتساقط أوراق الشجرة عند هزها، ولكنه مسك نفسه في أخر لحظةٍ. لقد علمٍ يقينًا إنهم مع ما فيهم من ثراء، إلا أنهم لا يملكون الجرئة الكافية ليقولوا للنفاق أنه نفاق، وهو ومع ما فيه من ألم يرى ذلك ويعرفه، فلو تعرتْ أمامه الحقيقة وسارتْ بدون ثيابها لعرف إنها حقيقة، لو إزدان النفاق بأبهى الطيلسان وأنقى الحُليّ لما خفيتْ عنه رائحة عفنه، فهو يملك مع كل الفقر قلبًا جديرًا بالتقدير خليقًا بالإحترام، نظيفًا أنظف من صحنٍ على مائدة عائلة أهلكها الجوع. كاد ليلقي موعظةً ما تحمل صنوف المعاني وأعذب الجمل وأسمى الحكم، حتى لوهلةٍ بدا إنه راغبٌ في أن يرغيّ ويزبد ويزعق ويرعد، وإن أطال أحدهم لسانه لقطعه بسيفِ الكلمات، ومع ذلك تذكرَ ابنته، فلبِدَ لسانه في مستقره كما يلبد عنكبوت..

عادتْ تزوره تلك الفكرة عن عدل آلله، وأخذ بعد ذلك الموقف بعضُ الشك يتسلل خلسةً إلى قلبه، ولكنه ما يلبث أن يرصده ويلقيه بعيدًا قبل أن يتندس، كما يلقيّ أحدهم كيسًا قذرًا في سلةِ النفايات. وما برحتْ حتى عادتْ الشكوك لتزوره كأنها تزور مقبرةً عتيقة، حتى أخذتْ تتشكل على هيئة وحلٍ قابع في قلبه. وأطلق سيلَ الأسئلة المعتاد: لماذا هذا التفاضل ؟ ولماذا هذا الكم من عدم العدل ؟ ومتى يغير الرب حالنا فقد كُسرت رقابنا ؟ وبماذا يفوقنيّ ذاك الأخرق ذو الرباط حتى يعطيه مالًا بهذا الكم، وأنا بالكاد أجد شيئًا أكله ؟ وأكاد أقسم إنه مرتشي قذر مرابيّ مخضرم..

ضرب في الأرض غاضبًا بغير هدى بعد أن أخنى عليه الدهر، كمنّ يتقصى شيئًا ما، حتى وقف عند بائعِ ماء ليتزود منه بعد أن أخذ منه الظمأ مأخذه، وها هو ذا يحمل قنينة الماء المتجمد، لطالما أدهشه كيف أن الماء عندما يتجمد يتخذ شكلَ القارورة أو هيئة الإناء الموضوع فيه، في حين إنه ماء سائل عديم اللون والطعم والرائحة في حالته الطبيعية، أخذ يقلب القنينة، حتى ضربته صاعقة في محله، حتى ضج فجاءةً وجلجل دهشةً : هكذا جاءنيَّ الجواب !!

العدل ماءٌ سائل، العدلُ قائمٌ في حدِ ذاته لجميع البشر وآلله تعالى عادل، لا جدال. أما المساواة فهي نقطةُ الإختلاف والتفاضل فلا وجود لمساواة في هذا العالم وذلك راجع لأسباب أهمها التأقلم، فكما الماء المتجمد على هيئة أسطوانة عند إخراجه متجمدًا على هيئة هذه الأسطوانة لا يمكن وضعه في إناء على هيئةٍ أخرى، ولا يتم ذلك إلا بتقطيعه، كذلك الأقدار..

1 year, 11 months ago

عليّ، عينٌ اختزلتْ الوجودَ في حدقتها، والإيمان متبطن مخزون ينبثقُ نورًا من بؤبؤها، والمرء متشبثٌ- جزعًا من الغوى- بأهدابها. عينٌ تضاءلتْ فيها تخومةُ الأيام لتُخففِ وطأة الزوال..

عليّ، ضماداتٌ باردة تُمررُ بهدوء ولطف على قلبِ انسان مترعٍ بالخرائب متصحر تهاوى مع صيرورة زمنٍ عتيقٍ متهالك، فتزول بمباركاته الصَّحراء، وتتبدد شباك العناكب وتهرب الذِّئابُ مِنها ويخفتُ صدى قِفارِها..

عليّ، تمردٌ فكري مدججٌ بالمنطق، صوتُ حقيقةٍ فريد لا ينخرط بببغائية جَوْقةِ النشاز الجاهليّ. صرخةٌ مدويّة تهيب بالجموع الغافية أن تفيق من رمسِ غيبوبتها وتنفض عنها غبارَ أكفانها التي تعفّرت لطولِ سراب الرقاد..

عليّ، حجرٌ هائل من ذهبٍ مصفى يحركُ المياهَ الراكدة ويُقلق سكينةَ طحالبها التي تعفنتْ في قرارها المكين، ويطلقُ اهتزازاتٍِ وتموجات، فيجريّ الماء وتتفجر من الصخور ينابيعٌ شتى..

عليّ، قلبٌ متشبعٌ بالضياء باعثٌ له ظامئ إليه، يتماهى مع ظلِ الوجود ذائبٌ فيه، كقطعةِ سُكرٍ إحلولى بها مُرِ الدهر. عليّ، شمسٌ ظهيرةٍ ساطعة، لا تُحجب أشعتها ولا يميل مذودها عنا..

عليّ، علياء ذرى صافية لم تُشبعها دعة العيش، تُلقيّ المواعظ. عليّ، يدٌ تحمل في راحتها سيفًا وعصفورًا، فلا تنبجس- مع ضيق المكان- على العصفور قطرةُ دمٍ..

عليّ، سفينةٌ لا ينقفُ البحر خشبها، تمضيّ في قصفِ موجٍ هادر وعصفِ ريحٍ عاتيّ..

1 year, 11 months ago

ولكنه تائهٌ، كموجةٍ حيرى تخطفها العُباب..

كسفينةٍ ما لها من مرسى، أبدًا في سفر ما لها من قرار..

كمنتصرٍ طوالًا عند لعب الغُميضة، بيدَ أنه لم ينتصر قط فما من أحد يقتفيّ له أثرًا..

We recommend to visit

قناة احمد علي على تيليجرام ( شروحات تقنية ، تطبيقات ، ‏أفلام ومسلسلات ، خلفيات ، و المزيد )

Last updated 1 year, 3 months ago

يرمز تيليجرام إلى الحريّة والخصوصيّة ويحوي العديد من المزايا سهلة الاستخدام.

Last updated 1 year, 4 months ago

- بوت الإعلانات: ? @FEFBOT -

- هناك طرق يجب ان تسلكها بمفردك لا اصدقاء، لا عائلة، ولا حتى شريك، فقط انت.

My Tragedy Lies With Those Things That Happen in One Second And Remain

- @NNEEN // ?: للأعلانات المدفوعة -

Last updated 1 year, 5 months ago