⚖الميزان⚖

Description
We recommend to visit

قناة احمد علي على تيليجرام ( شروحات تقنية ، تطبيقات ، ‏أفلام ومسلسلات ، خلفيات ، و المزيد )

Last updated 1 year, 3 months ago

يرمز تيليجرام إلى الحريّة والخصوصيّة ويحوي العديد من المزايا سهلة الاستخدام.

Last updated 1 year, 4 months ago

- بوت الإعلانات: ? @FEFBOT -

- هناك طرق يجب ان تسلكها بمفردك لا اصدقاء، لا عائلة، ولا حتى شريك، فقط انت.

My Tragedy Lies With Those Things That Happen in One Second And Remain

- @NNEEN // ?: للأعلانات المدفوعة -

Last updated 1 year, 5 months ago

1 year, 3 months ago

الزلات.

كيف نعرف أنه زل؟ خالف الكتاب والسنة، فعندنا ميزان، زل، أخطأ في حكم من الأحكام، خالف نصا من كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم في عقيدة، واجتهد وبذل جهده في ذلك، لكن وقع في خطأ عقدي أو نحوه، ما نقول هذا عالم وهذا إمام هذا العصر، لا، يجب أن نتقي زلته.

والآن واقع الناس إلا من رحم الله على خلاف هذا الميزان، إذا نصبوا شخصاً يكون هو الميزان، وأقواله هي الميزان، ولا يجوز الاعتراض عليه، ويا ويل من يعترض على هذا الإنسان، ويا ويل من يقول أخطأ، وهذه والله هي الفتن التي تضيع الأمة، وهذا هو الغلو المهلك.اهـ.

" الذريعة ج1ص235-236

وإذا كان هذا في المسائل الظاهرة كالتي أشار إليها الشيخ ربيع، فكيف بمسائل الاجتهاد، والمسائل التي لا نص فيها من كتاب وسنة، كمسائل الجرح والتعديل، ولذا فإن التقرير الذي سبقت الإشارة إليه يؤدي في النهاية إلى الإلزام بأقوال العلماء ومواقفهم الاجتهادية كما هو حاصل في هذه الفتنة تماما، وهذا يؤدي بدوره إلى تعصب كل طرف لاجتهاد العالم الذي يقلده، وتحزبه عليه، فيصير السلفيون أحزابا يعادي بعضها بعضا على مسائل اجتهادية.

وقد نقول إن غرض الشيخ ربيع بهذا الأصل كان صالحا، وهو كف المشغبين والملبسين، والمذبذبين والمدسوسين، الذي أرجفوا في صفوف السلفيين في فتن سابقة، وأثاروا بينهم مسائل جانبية كان الغرض منها صرف السلفيين عن التحذير من أهل البدع السياسية الذين كان الشيخ ربيع من أعظم من تصدى لهم، واشتغل في الردود عليهم، وكشف باطلهم وبدعهم. إلا إنه وكما هو معروف مقرر، فالغاية لا تبرر الوسيلة، فإن وافق الشيخ ربيع الحق أو قاربه في أحكام سابقة، ربما كانت مبنية على هذا الأصل مع غيره من الأصول، فإن هذا لا يعني صحة هذا الأصل بإطلاق.

ومن راجع هذا الأصل في تقريرات الشيخ ربيع، واعتبر به موقفه في هذه الفتنة، علم أن هذا الأصل كان منبع هذه الفتنة، ولعله من أعظم ما اعتمد عليه الشيخ ربيع في موقفه هذا، - والله تعالى أعلم -. ولذا فإن آخر ما يجب التنبيه عليه، والتحذير منه في فتنة الصعافقة، هو خطأ وخطر التقليد للشيخ ربيع في هذا الأصل، وقد يكون عمل الشيخ بهذا الأصل في الفتن السابقة، من باب أسباب الجرح الخفية التي يصعب على العالم الكشف عنها وتفسير الجرح بها، وبذلك يكون عمل الشيخ في الفتن السابقة صحيحا، والتنظير غير صحيح.

وإذا عُلم أن هذه الفتنة دارت على هذين الأصلين: أصل المطالبة بالأدلة على الجرح، وأصل الطعن في المصر على خطأ اجتهادي من وجهة نظر المُخطِّئ له، مع أنه قد لا يكون مخطأ في واقع الأمر، أو قد يكون معذروا فيه؛ إذا عُلم هذا فإن من خالف الشيخ ربيع في هذه الفتنة وردوا عليه خطأه، قد يكونون كلهم أو جلهم موافقين له، إما في أصل واحد من أصليها، أو في الأصلين معا، وهؤلاء يُخشى عليهم من هذه الفتنة، كما يُخشى على من وافق الشيخ ربيع فيها، لا سيما من بُين له الحق في هذه المسائل، فلم يرفع به رأسا، ولم ير لله عليه فيه حقا بقبوله وتأييده ونصرته، فمثل هذا يكون ممن أصابته الفتنة، كما أصابت من قلد الشيخ ربيع فيها وتعصب له. قال الله تعالى: ( الم )(1)( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ )(2)( وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ )(3)( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ )(4).

فاللهم إنا نعوذ بك أن نضل أو نضل، أو نظلم أو نظلم، أو نجهل أو يجهل علينا، ونعوذ بك ربنا من مضلات الفتن، ربنا ولا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأكملان الأتمان على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

1 year, 3 months ago

فما أن يقع خلاف بين اثنين حتى يحوله كثير من السلفيين إلى خلاف منهجي، مع أنه قد يكون خلافا على دنيا، أو في أمور تنظيمية، أو حتى أخطاء صدرت من هذا الطرف أو ذاك، ولكنها أخطاء عملية وليست علمية، ومع ذلك فلا يرضى الكثير بحصر هذا الخلاف في إطاره الصحيح، بل لا يرضون حتى بجعله خلافا علميا، حتى يجعلوه خلافا منهجيا يوالى ويعادى عليه.

ثم ليتهم يحصرون هذا الخلاف الذي غالوا فيه حتى جعلوه منهجيا؛ في ساحة الخلاف والردود فقط، بل للأسف الشديد سرعان ما ينتقل هذا الخلاف من ساحة الردود، إلى ساحة التحذير والتجريح وحتى الطعن والتبديع، وما يتبع ذلك من الهجر والتقاطع والتدابر والإقصاء وما إلى ذلك مما لو تفكروا فيه بإنصاف وتجرد وصدق مع الله، لعلموا أنها ذنوب ومعاصي ألبسوها زورا وكذبا على الله ودينه - لباس البر والتقوى، والغيرة على الدين والقوة في المنهج.

وإذا وصلوا إلى هذا الدرك من الخلاف، لا يتركهم الشيطان فيه حتى ينقلهم إلى الساحة الأخيرة منه، وهي ساحة التصنيف والإلحاق والتحزب، ليصدق فيهم قول الله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ).

والقانون في هذه المرحلة: إذا لم توافقنا في التحذير من فلان فأنت ملحق به، وإذا لم تكن معنا فأنت ضدنا، وإذا لم تبين موقفك من فلان فأنت مثله أو شر منه!!. فيصير السلفيون أحزابا متناحرة، وشيعا متصارعة، لا يسلم بينهم الساكت بسكوته، ولا يُسمع المتكلم فيهم إذا تكلم بالحق. والله ورسوله والمنهج السلفي برآء من هذا العبث الذي جعل السلفيين أضحوكة على ألسن أهل البدع والأهواء.

ويبدو أن الشيخ ربيع نفسه قد تنبه لهذا الإنحراف الذي يصر البعض على جر الدعوة السلفية إليه، فصار يحذر كثيرا من الخلاف وأسبابه، ويدعو إلى التآلف والتراحم بين الدعاة إلى الله وطلبة العلم، ولكن للأسف الشديد لم يستطع أن يكف السفهاء الذين أحاطوا به عن هذا الطريق الوخيم، بل وقع ما هو أشد، حيث استطاع هؤلاء السفهاء جر الشيخ بنفسه إليه، وذلك بالتحريش بينه وبين الشيخ محمد بن هادي حفظه الله، وإيقاع الخلاف بينهما، وقد نتج عن هذا الخلاف شرور عظيمة في بلاد كثيرة من بلاد المسلمين.

وإذا عدنا إلى خطئي الشيخ ربيع في هذه الفتنة، فقد ظهر بين السلفيين ما يشبه التخريج على المذهب، فتُبنى الطعون قياسا على طعن الشيخ ربيع فيمن طعن فيهم من العلماء في هذه الفتنة، وهذا يشير إلى أن خطأ الطعن في عالم سلفي ثبتت سلفيته بيقين، بناء على مسألة اجتهادية أخطأ فيها، أو أصر على خطئه فيها، كمسائل الجرح والتعديل قد يكون أشد من خطأ المطالبة بالأدلة على الجرح، لا سيما أنه قد يفهم من بعض تقريرات الشيخ ربيع في هذه الفتنة وربما قبلها، أن المخطئ إذا أصر على خطئه بعد البيان والنصح، فإنه يُجرح ويطعن فيه، هكذا بإطلاق، دون التفريق بين الخطأ في الأصول التي لا تحتمل الخلاف، وبين الخطأ في المسائل الاجتهادية التي يقع فيها الخلاف ولابد، بل ويقع فيها الإصرار على الخطأ ممن وقع فيه.

وما من شك في أن هذا خطأ بين، وزلة عظيمة من الشيخ ربيع. وربما كان سببا فيما نراه اليوم من انتشار الخلافات بين السلفيين، وتضخمها، وخروجها عن أدب الخلاف المرعي عند السلف، وعن الرحمة التي تميز بها أهل السنة عن غيرهم من أهل البدعة والفرقة والخلاف، ومن الكلمات الجميلة للعلامة الكبير المعلمي رحمه الله، قوله: والعالم قد يقصّر في الاحتراس من هواه ويسامح نفسه فتميل إلى الباطل، فينصره وهو يتوهم أنه لم يخرج من الحق ولم يعاده. وهذا لا يكاد ينجو منه إلا المعصوم، وإنما يتفاوت العلماء، فمنهم من يكثر الاسترسال مع هواه، ويفحش حتى يقطع من لا ‏يعرف طباع الناس ومقدار تأثير الهوى بأنه متعمد، ومنهم من يقل ذلك منه ويخف. الآثار (320/2).

وهذا كلام نفيس، جمع بين التحذير من زلات العلماء، وبيان خطورتها لكونها قد تنتج من الاسترسال مع الهوى، وبين الإعتذار للعلماء بنفي العصمة عنهم وجريان الطباع البشرية عليهم كما تجري على سائر البشر، كما في القول المشهور عن معاذ رضي الله عنه وفيه: " ﻭﺃﺣﺬﺭﻛﻢ ﺯﻳﻐﺔ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ; ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﻗﺪ ﻳﻘﻮﻝ ﺍﻟﻀﻼﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﻟﺴﺎﻥ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ، ﻭﻗﺪ ﻳﻘﻮﻝ ﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻖ ﻛﻠﻤﺔ ﺍﻟﺤﻖ " . ﻗﻠﺖ ﻟﻤﻌﺎﺫ : ﻣﺎ ﻳﺪﺭﻳﻨﻲ ﺭﺣﻤﻚ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﻗﺪ ﻳﻘﻮﻝ ﻛﻠﻤﺔ ﺍﻟﻀﻼﻟﺔ ﻭﺃﻥ ﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻖ ﻗﺪ ﻳﻘﻮﻝ ﻛﻠﻤﺔ ﺍﻟﺤﻖ ؟ ﻗﺎﻝ ﻟﻲ: ﺍﺟﺘﻨﺐ ﻣﻦ ﻛﻼﻡ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﺍﻟﻤﺸﺒﻬﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻘﺎﻝ ﻣﺎ ﻫﺬﻩ ، ﻭﻻ ﻳﺜﻨﻴﻚ ﺫﻟﻚ ﻋﻨﻪ، ﻓﺈﻧﻪ ﻟﻌﻠﻪ ﻳﺮﺍﺟﻊ، ﻭﺗﻠﻖ ﺍﻟﺤﻖ ﺇﺫﺍ ﺳﻤﻌﺘﻪ، ﻓﺈﻥ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻖ ﻧﻮﺭﺍ.

قال الشيخ ربيع معلقا على الأثر السابق: " الحكيم " يعني: العالم الذي أوتي الحكمة، { يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولوا الألباب }، فأوتي خيراً كثيراً، لكنه ليس بمعصوم من الزلل، فالحذر الحذر من زلات العلماء، وربما تكون زلة العالم خطيرة، لأنه ينظر إليه بمنظار إجلال وإكبار، فيجب أن يحذر من هذه

1 year, 3 months ago

قال العلامة السعدي في التفسير: { وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحّ ْ} أي: جبلت النفوس على الشح، وهو: عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحق الذي له، فالنفوس مجبولة على ذلك طبعا، أي: فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخُلُق الدنيء من نفوسكم، وتستبدلوا به ضده وهو السماحة، وهو بذل الحق الذي عليك؛ والاقتناع ببعض الحق الذي لك. فمتى وفق الإنسان لهذا الخُلُق الحسن سهل حينئذ عليه الصلح بينه وبين خصمه ومعامله، وتسهلت الطريق للوصول إلى المطلوب. بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشح من نفسه، فإنه يعسر عليه الصلح والموافقة، لأنه لا يرضيه إلا جميع ماله، ولا يرضى أن يؤدي ما عليه، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر. ثم قال: { وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا ْ} أي: تحسنوا في عبادة الخالق بأن يعبد العبد ربه كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه، وتحسنوا إلى المخلوقين بجميع طرق الإحسان، من نفع بمال، أو علم، أو جاه، أو غير ذلك. { وَتَتَّقُوا ْ} الله بفعل جميع المأمورات، وترك جميع المحظورات. أو تحسنوا بفعل المأمور، وتتقوا بترك المحظور { فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ْ} قد أحاط به علما وخبرا، بظاهره وباطنه، فيحفظه لكم، ويجازيكم عليه أتم الجزاء..

فصل

هذا، وقد بينت في مقالات عديدة سابقة أن الجارح المتأهل للجرح والتعديل، لا يطالب بإقامة أدلة على جرحه، بل يطالب بتفسير الجرح فقط، فبأي شيء فسر جرحه به، كان هو الشاهد والدليل على هذا الجرح وهذا التفسير، لعدالته والثقة به وبديانته وصدقه وورعه، وكان جرحه من باب خبر الثقة.

ولو طالبنا بالأدلة على الجرح لصار الجرح والتعديل من باب الأقضية التي يختص النظر فيها بولي الأمر ونوابه فقط، وليس من باب النصيحة التي أوجبها الله على أهل العلم، وأيضا لانسد باب الجرح والتعديل وتعطلت مناهجه، وذلك لصعوبة أن يقيم العالم أدلة على كل جرح أو تعديل يصدره!

ثم لو كانت المطالبة بالأدلة على الجرح حقا، لجاز الجرح من كل أحد، ولم يقصر على العلماء، بل على الصفوة منهم ممن تأهل واختص بهذا الشأن، لأن العبرة حينئذ تكون بالأدلة لا بعدالة الجارح وديانته وصدقه وورعه.

ولذا فالموقف الصحيح أمام هذا الجرح هو: إما بقبوله إذا كان الجرح مفسرا بتفسير صحيح، أو رده إذا كان التفسير لا يصح، إما لعدم صحته في نفسه بأن يكون سبببا غير جارح، وإما لعدم وجوده في المجروح أو توبته منه، والجارح كان واهما عندما ظن وجوده فيه، والموقف الثالث أمام هذا الجرح هو التوقف فيه إذا كان غير مفسر.

ثم إذا رد عالم آخر كان من أهل هذا الشأن أيضا؛ هذا الجرح وهذا التفسير، لم يوجب هذا؛ الطعن لا في الجارح ولا فيمن رد هذا الجرح، ووجب النظر والترجيح بينهما، فأحيانا وهو الأغلب يقدم الجرح على التعديل إذا كان الجرح مفسرا، وفي أحيان أخرى يرد الجرح ولا يقبل إذا احتفت به القرائن الدالة على خطئه، مع حفظ مكانة الجارح والاعتذار له.

وهذا منهج رشيد، وجادة قاصدة، ومسلك مستقيم سار عليه أهل السنة والجماعة في باب الجرح والتعديل، صانوا به دينهم، فلم يمكنوا أهل الجهل والضلال والفساد منه، وحفظوا جماعتهم فلم يمزقوها كل ممزق، ويفرقوها شذر مذر. والأدلة والشواهد من كلامهم أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر، وقد تقدم ذكر بعضها في المقالات السابقة، فلا نطيل هنا بذكرها.

وإذا علمت هذا أيها الموفق تبين لك في فتنة الصعافقة أمران: الأول أن سعي من سعى في إقامة الأدلة لم يكن موفقا، بل أضعف الحق وأهله، ومكن لأرباب هذه الفتنة من النفخ فيها وتضخيمها. والثاني أن الشيخ ربيع حفظه الله ورعاه، وقع في هذه الفتنة في خطئين اثنين: الأول المطالبة بالأدلة على الجرح، والثاني هو الطعن في العالم الجارح بناء على خطئه في الجرح، هذا إذا سُلم بخطئه فيه جدلا.

وكنت عندما أتفكر في هذه الفتنة، أتسائل أي خطئي الشيخ ربيع أشد: خطأه بالمطالبة بالأدلة على جرح مفسر، أم خطأه بالجرح والطعن في عالم بناء على خطأ اجتهادي يسوغ فيه الخلاف، على فرض كونه خطأ. ولقد كان الترجيح بينهما صعبا، وللوهلة الأولى قد يقول قائل إن الخطأ بالمطالبة بالأدلة على الجرح أشد من الطعن في معين، فإن هذا خطأ في شخص واحد لا يتعداه، بخلاف الأول فإنه منسوب إلى المنهج، وبذلك يكون أشد.

ولكن الواقع أن الخطأ الثاني قد ينسب إلى المنهج أيضا، كما هو الحاصل من المتعصبة للشيخ ربيع، بل حتى من غيرهم كما هو الحاصل في السودان وغيرها من الفتن التي أصبحت تحصد السلفيين حصدا، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأهل هذه الفتن يسيرون فيها على نسق فتنة الصعافقة حذو القذة بالقذة، وكأنهم لم يتعظوا بها.

1 year, 6 months ago

يناصرونهم في باطلهم، ويتبعونهم مع ما يرون من آيات نفاقهم واضحة جلية، بعضها مسجلا بأصواتهم المسربة عنهم!!

والمقصود هنا التحذير من النفاق بشكل عام، لا عند الصعافقة فقط، فإن المطلع على أحوال الساحة الدعوية يدرك أن هذا الداء هو أشد ما أثر في هذه الدعوة المباركة تأثيرا عظيما، وفت في عضد أتباعها، حتى تفرقوا وتمزقوا وأبغض بعضهم بعضا وعادى بعضهم بعضا .. وهذا الحال لا يخفى على المتأمل إن كان صادقا

وإن من الكلمات النيرات التي قد تسهم في علاج هذا الداء ما قاله شيخ الإسلام عن حقيقة صلاح الإنسان، حيث يقول: وليس صلاح الإنسان في مجرد أن يعلم الحق، دون ألا يحبه ويريده ويتبعه. كما أنه ليس سعادته في أن يكون عالما بالله، مقرا بما يستحقه، دون أن يكون محبا لله، عابدا لله، مطيعا لله، بل أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه، فإذا علم الإنسان الحق وأبغضه وعاداه، كان مستحقا من غضب الله وعقابه، ما لا يستحقه من ليس كذلك، كما أن من كان قاصدا للحق طالبا له - وهو جاهل بالمطلوب وطريقه - كان فيه من الضلال، وكان مستحقا من اللعنة - التي هي البعد عن رحمة الله - ما لا يستحقه من ليس مثله، ولهذا أمرنا الله أن نقول:( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ).

والمغضوب عليهم علموا الحق فلم يحبوه ولم يتبعوه، والضالون قصدوا الحق لكن بجهل وضلال به وبطريقه، فهذا بمنزلة العالم الفاجر، وهذا بمنزلة العابد الجاهل، وهذا حال اليهود فإنه مغضوب عليهم، وهذا حال النصارى فإنهم ضالون. انتهى كلامه رحمه الله.

ولذلك فإن أكثر الفساد الواقع بين السلفيين اليوم هو من جهة فساد الإرادة لا من فساد العلم، والنفاق لا يتولد من شيء كتولده من فساد الإرادة، بل نهاية فساد الإرادة هو عبادة الهوى، كما قال تعالى: ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ )
الجاثية (23).

والله نسأل أن يهدينا وإياهم صراطه المستقيم، وأن يجنبنا مضلات الفتن، وأن يعيذنا من النفاق والشقاق وسيء الأخلاق إنه سميع مجيب وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين.

1 year, 6 months ago

ففقده النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبر بحاله، فبعث من يأخذ الصدقات من أهلها، فمروا على ثعلبة، فقال‏:‏ ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، فلما لم يعطهم جاءوا فأخبروا بذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال‏:‏ ‏(‏يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة‏)‏ ثلاثًا‏.‏

فلما نزلت هذه الآية فيه، وفي أمثاله، ذهب بها بعض أهله فبلغه إياها، فجاء بزكاته، فلم يقبلها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم جاء بها لأبي بكر بعد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يقبلها، ثم جاء بها بعد أبي بكر لعمر فلم يقبلها، فيقال‏:‏ إنه هلك في زمن عثمان‏).‏ اه فاللهم سلم سلم.

وبالجملة فإن هذا الداء كما يقول ابن القيم رحمه الله: هو الداء العضال الباطن الذي يكون الرجل ممتلئا منه وهو لا يشعر؛ فإنه أمر خفي على الناس، وكثيرا ما يخفى على من تلبس به فيزعم أنه مصلح وهو مفسد ...

وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن، وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر، وذكر طوائف العالم الثلاث في أول سورة البقرة: المؤمنين، والكفار، والمنافقين، فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدا لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته، وهم أعداؤه في الحقيقة يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد.

كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور، فلا خلت بقاع الأرض منهم لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات، وتتعطل بهم أسباب المعيشات وتتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات.

سمع حذيفة رضي الله عنه رجلا يقول: اللهم أهلك المنافقين، فقال: ((يا بن أخى، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قلة السالك)).

تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين، ولعلمهم بدقه وجله وتفاصيله وجمله، ساءت ظنونهم بأنفسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لحذيفة: ((ياحذيفة، نشدتك بالله، هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؟ قال: لا. ولا أزكي بعدك أحدا)).

وقال ابن مليكة: ((أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل)). انتهى كلامه رحمه الله.

وعمر لم يكن شاكا في إيمانه، حاشاه رضي الله عنه، أو أنه يعتقد أنه يمكن أن يكون مبطنا للكفر، هذا أمر ينزه عنه من دون عمر بمراحل، فكيف به هو رضي الله عنه وأرضاه، وكذلك لم يكن من المتنطعين، حتى يسأل حذيفة هذا السؤال وهو يعلم في نفسه أنه ليس مبطنا للكفر، ولكنه لكمال علمه بحقيقة النفاق وكثرة شعبه، وخفاء طرقه ومسالكه؛ خشي أن يكون على شعبة من النفاق وهو لا يشعر

وهذا النفاق الذي كان يخافه عمر رضي الله عنه، وهو من سادات هذه الأمة، هو الذي أمنه كثير من الناس، حتى من المنشغلين بالدعوة وطلب العلم، ولذلك ظهر على أعمال كثير منهم، دع عنك الصعافقة، فإن الداء مستفحل فيهم، حتى لا يكاد يرجى لهم برء منه إلا أن يشاء الله، ومن مميزات نفاق الصعافقة أنه صار جماعيا، حيث يشاهد بعضهم من بعض الكذب الصراح، والجهل الفاضح، والعدوان المبين، فيسكت بعضهم عن بعض، ولسان حالهم يقول: ( وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ) فيسمون كذب إخوانهم وجهلهم وعدوانهم علما ودعوة وجهادا، بينما لا يتوانون عن الرد على من خالفهم، ولو باختلاق الأخطاء وتلفيق التهم ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ).

بل بلغوا بنفاقهم أبعد من هذا، حتى صار حالهم كحال من قال الله فيهم: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ). وكل من خالط الصعافقة عن قرب علم هذه الحقيقة عنهم، وأن قلوبهم مشحونة غلا وبغضا على بعضهم البعض، وإن أظهروا للناس خلاف ذلك، وهذا حال كل من اجتمع على معصية الله ورسوله، وما اجتمع عليه الصعافقة من معصية الله أمر خطير جدا لو كانوا يعقلون، يتضمن افتراء الكذب على الله ودينه، ويتضمن كتمان الحق وبغض ظهوره، مع أن ظهور الحق مما يحبه الله ويرضاه، وكذلك بغض أولياء الله من العلماء والصالحين، وغير ذلك من المهلكات، نسأل الله السلامة والعافية

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ((آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلف، وإذا اؤتمنَ خان)). وقال أيضا : ((أربع مَن كنَّ فيه، كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدَعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهَد غدَر، وإذا خاصم فجر) فإنا قد رأينا هذه الآية وهذه الخصال مجتمعة في بعض رؤوس الصعافقة، لا سيما ممن تولى بعض الوظائف الرسمية، ولكن المصيبة ليست في هؤلاء الرؤوس فقط، بل في الأتباع الذين

1 year, 6 months ago

وإذا كان التحويل من قبلة بيت المقدس إلى قبلة المسجد الحرام؛ وهو انتقال من حكم شرعي منسوخ، إلى حكم شرعي ناسخ، ومع ذلك كان فيه من الفتنة ما كان، وقد وصفه الله بقوله: (وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله)، فكيف بالانتقال عن حكم كان يظن أنه حكم شرعي، فتبين بطلانه، وبعده عن أحكام الشرع، لا شك أن الفتنة في هذا تكون أشد، لا سيما وأن في ضمن ذلك الإقرار على النفس أو على المعظمين عندها بالخطأ، وهو الأمر الذي يشق على النفوس الضعيفة، ويصعب إلا على من هدى الله. قال عز وجل: ( لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ )( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ).

وهذه الفتنة - فتنة تحويل القبلة - من الفتن التي ظهر فيها الفرق الشاسع، والبون الهائل بين تصرف أهل الإيمان في الفتن، وتصرف أهل النفاق والريب ومرض القلوب، فإن أهل مسجد قباء جاءهم خبر تحويل القبلة وهم في الصلاة، فاستداروا وهم في صلاتهم راكعون، حتى توجهوا شطر المسجد الحرام، وهذا من أجمل وأرقى صور الخضوع والانقياد والاستسلام لأمر الله وأمر رسوله، فشتان ثم شتان بين هذا وبين من قال ما بال محمد يوجههنا مرة هاهنا ومرة هاهنا!.

٣- وقال الله تعالى في سورة التوبة، التي تسمى بالفاضحة، والمبعثرة، والمخزية، والمقشقشة، والمشردة، والمثيرة، والحافرة، والمنكلة، والمدمدمة، لكثرة ما نزل فيها من أوصاف المنافقين ونعوتهم، حتى قال الصحابة رضوان الله عليهم ظننا أن الله سيسميهم بأسمائهم فيها، فمما ذكر الله من خبرهم فيها قوله: ( وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ )
التوبة (49).

وقد نزلت هذه الآية في الجد بن قيس حيث اعتذر عن الخروج إلى تبوك بعذر عجيب، فإنه زعم أنه إن خرج فرأى نساء بني الأصفر، لم يصبر عنهن، وكان في ذلك فتنة له، فقال الله تعالى: (أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ) فإن فتنة التخلف عن رسول الله والتولي عن قتال المشركين أعظم مما يتوهمه هو من الفتنة، ثم تلك فتنة متوهمة، والتي وقع فيها فتنة متحققة، فكيف يرتكب المفسدة المحققة لتوقي مفسدة مظنونة قد تقع وقد لا تقع!

وتأمل في أحوال بعض طلبة العلم الذين يداهنون في الحق، ويجاملون حزبهم وجماعتهم وهو يرون من خيانتهم وإفسادهم ما يرون، ومع ذلك يثنون عليهم ويزكونهم، ويتركون عامة السلفيين فرائس في أيدي هؤلاء المفسدين يعبثون بدينهم كما يشاؤون، بينما يزعم هؤلاء أن التصدي لهم سيعرضهم إلى الفتن التي لا قبل لهم بها، فإذا سألت عن هذه الفتن، وجدتها إما فقد وظيفة من إمامة أو خطابة أو وعظ، أو فقدان جاه ومكانة بسبب تحريش الصعافقة وتحريضهم عليهم، وما شاكل هذه الأعذار

أفلا ترى أن هذه الأعذار تخرج من ذات النفق المظلم من أنفاق النفاق، نفق الجد بن قيس!! وهو نفق التولي عن طاعة الله وترك القيام بحقه، واختلاق الأعذار الواهية التي لا تغني من الله شيئا، ولو أنهم توكلوا على الله حق التوكل في القيام بأمره، ونصرة دينه، لنصرهم الله وأيدهم، من حيث يشعرون أو لا يشعرون.

٤- ومن أنواع النفاق أيضا، ما جاء في قوله تعالى في سورةالتوبة :( وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ) ( فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ )( فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ )( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ).

وتأمل في قوله: فأعقبهم نفاقا) ففيه أشارة أنهم قبل ذلك لم يكونوا منافقين، وكذلك في قوله: (إلى يوم يلقونه) وهذا من أشد العقوبات، وهو أن يطبع على قلبه، ويختم عليه بهذا النفاق حتى يلقى الله به، ولذلك جاء في تفسير السعدي رحمه الله أنه قال: (وهذه الآيات نزلت في رجل من المنافقين يقال له ‏{‏ثعلبة‏}‏ جاء إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسأله أن يدعو اللّه له، أن يعطيه الله من فضله، وأنه إن أعطاه، ليتصدقن، ويصل الرحم، ويعين على النوائب، فدعا له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فكان له غنم، فلم تزل تتنامى، حتى خرج بها عن المدينة، فكان لا يحضر إلا بعض الصلوات الخمس، ثم أبعد، فكان لا يحضر إلا صلاة الجمعة، ثم كثرت فأبعد بها، فكان لا يحضر جمعة ولا جماعة‏.‏

1 year, 8 months ago

بسم الله الرحمن الرحيم

"وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين "

بعض طلبة العلم بدأ مشواره داعية إلى المنهج الحق، ثم لم تمضي الأيام والليالي حتى صار كالصخرة الصماء في مجرى الماء، لا هي انتفعت من الماء فشربت، ولا هي تركت الماء، حتى يصل إلى من ينتفع به من عباد الله. وهذا مثل ضربه السلف للعالم السوء.

فالحذر الحذر أيها الفقيه المجاور بأرض الفقهاء، ويا من منّ الله عليه بالعلم أو بالجاه والمكانة، فإن السعيد من وعظ بغيره.

ولقد أدب الله عباده المؤمنين بآداب جليلة؛ امتثالهم لها، وقيامهم بها علامة فلاحهم ونجاحهم، ورشدهم، واستقامة أمورهم، وسيرها نحو الأفضل بإذن الله، وتضييعهم لها وتهاونهم فيها علامة فشلهم وفساد أمورهم، وسيرها نحو الأسوء عياذا بالله من ذلك.

من أعظم تلك الآداب ما أمرهم به من التعاون على البر والتقوى، كما في قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ).المائدة (2).

ومن أعظمها أيضا ما أمرهم به من التشاور في أمورهم، كما في قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ).الشورى (38).

ومن أعظمها أيضا وأجمعها ما أمرهم به من النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم.

ومن تلك الآداب أيضا ما أمرهم به من الاجتماع في الدين وعدم التفرق فيه، كما في قوله تعالى:( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ )
الشورى (13). وقوله عز وجل: ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )
الأنفال (46)

فاعتبر أحوال المسلمين عموما، وأحوال الدعوة السلفية خصوصا بهذه الآداب التي هي موازين للنجاح والفشل.

أقول هذا لأن الواقع لا يسر إلا أعداء الدين للأسف الشديد، وهو واقع يفرض على الدعاة بذل جهود مضاعفة لإصلاح هذا الواقع، ويفرض عليهم أن يكونوا أكثر تيقظا وحذرا، وأكثر نشاطا ومثابرة، وأكثر تواصلا وتشاورا فيما بينهم، حتى لا يكونوا الثغرة التي يدخل منها العدو علينا

وأقوله أيضا لأنه تمت أمور لا يصلح عرضها على العامة قبل التشاور فيها، وربما إيصالها لمن يقدر على إبلاغها إلى ولاة الأمور، وهي أمور في غاية الأهمية والخطورة. ونعوذ بالله أن يؤتى المسلمون من قبلنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

1 year, 9 months ago

ليسد بها رمقه ويكف بها وجهه عن الناس، فهذا قرض إنتاجي، ووفق هذا المذهب، لا غبار على المقرض له أن يفرض عليه فائدة على قرضه، وأن يقتطع من ثمرة جهده وكده، ريعا ثابتا زائدا على أصل قرضه، دون أن يحكم هذا الريع أي ميزان عادل، إلا الجشع والطمع وانعدام الرحمة والأخلاق من قلوب أولئك المرابين. وفي المقابل إذا أقدم ثري من الأثرياء على الاقتراض لأجل التوسع في استهلاك الملذات والشهوات والإمعان في الترف، كان قرضه استهلاكيا لا يحتمل أن تفرض عليه الفوائد وفق هذا الرأي!! وهذا يبين أن هذا الرأي لا يستند إلى أي منطق سليم، فضلا أن يكون عليه أثرة من علم أو شبهة من دليل شرعي.

وإذا كان الربا هو الأضعاف المضاعفة من القروض؛ وليس كل القروض، بل الإنتاجية فقط، فإن ثالثة الأثافي ما سبق ذكره عن بعض المتهوكين، ممن صار يسمي الفائدة الربوية عقد تمويل، ويزعم أنه عقد مستحدث ليس له في شرع الله نظير!، وكأن المرابي يحنط أموال الربا ولا يتمولها، أو كأن هؤلاء المتهوكين - وهما صوفيان قبوريان - لم يخبرا بأولئك الذين يستحلون الخمر يسمونها بغير اسمها، فمثل هذا لو أتى الربا من بابه لكان مع شدته أهون عليه بكثير من استحلال الربا بمثل هذا الهذيان الذي لا يغني عنه من الله شيئا، بل هو استخفاف بالدين، ومن اتخاذ آيات الله هزؤا ولعبا، فليعد هؤلاء اللاعبين للموقف بين يدي الله.

وهكذا إذا كانت الفائدة الربوية التي هي عين ربا الجاهلية، وهي كذلك أساس تعامل البنوك في العالم اليوم؛ عقد تمويل وفق فهم هؤلاء الأدعياء الدراويش، فلم يعد إذن للربا وجود في الأرض، وصارت أحكام الله فيه وما أنزله بشأنه من النور والحكمة تاريخا لا يقدم ولا يؤخر، ولا ينفع الناس، ولا يغني من واقعهم البئيس شيئا.

والمتأمل في كل هذه المذاهب المستحدثة، والفهوم العجيبة، يرى أن العامل المشترك بينها يتمثل في أمرين خطيرين: الأول: هو الاعتماد المجرد على الرأي، الرأي المنفصل تماما عما جاء في شريعة الله في هذا الباب الخطير، فهي تقول محض على دين الله، واعتداد بالآراء والأفكار، وتقديم لها على السنن والآثار، فأصحاب هذه المذاهب لا يحتفون بالنصوص إلا إذا وافقت ظنونهم وتصوراتهم، ولا أريد أن أقول أهواءهم.

فالرأي والفكر هو الحاكم لا النصوص، كما أنهم لا يعتمدون في ذلك على شيء من الأصول التي يعتمد عليها الفقهاء، بل كل من عنّ له رأي أعلنه وحكم به، دون أن ينظر هل يتوافق رأيه مع النصوص والأدلة الشريعة، وهل ينسجم مع القواعد والأصول المرعية، بل لعله يرى أن الأصول والأدلة هي التي يجب أن تتوافق مع رأيه وإلا كانت محل نظر وشك في صحتها!!

وإذا كان هذا تعاملهم مع الأصول والنصوص الشرعية، فإن تعاملهم مع تلك التركة العظيمة التي خلفها لنا الأئمة والفقهاء والتي اجتمعت وتأطرت في المذاهب الفقهية؛ أنكى وأخزى، فهم لا يلتفتون إليها مجرد الالتفات، ولا يعطونها قدرا من النظر والاعتبار، ولا عجب بعد ذلك أن تسمع وترى من يزعم أن عقد الربا عقد تمويل، وأن الأئمة والفقهاء ليس عندهم به أدنى علم ومعرفة، بل ليس له في الفقه كله نظير!!

أما العامل الثاني: فهو الحرص الشديد على موافقة الحضارة الغربية المادية الربوية في كل نظمها وقوانينها وحتى أخلاقها وقيمها، فكل هذه الآراء تؤكد تلك القاعدة الخلدونية التي تقول إن الضعيف المنهزم مولع بتقليد الغالب، بل تؤكد ما هو أعلى من ذلك وأجل، وهو قول الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى. قال: فمن)).

(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ).يوسف (21)

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأكملان الأتمان على خاتم النبيين وسيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه: عبدالسلام بن المهدي الأمين الكونيني.
للتواصل عبر التلغرام: @Abd_Alssalam.
واتس اب: 00218927051245 .

1 year, 9 months ago

ولما كان إدراك بعض حِكم الربا ومعانيه - فضلا عن الإحاطة بها - عسيرا على أكثر الخلق أُقيم لهم من العقوبات والزواجر ما يمنعهم من الاقتراب منه، وإن خفيت عليهم الحكمة في ذلك؛ وهذا من رحمة الله بهم وإحسانه إليهم.

فهذا - والله أعلم - وجه من الحكمة العظيمة الباهرة التي تضمنها قانون الربا في الشريعة الإسلامية.

وهنا قد يرد تساءل؛ وهو لماذا لم يُنصب لهذه الكبيرة العظيمة والموبقة الشنيعة التي قد يتجاوز ضررها وفسادها فساد السرقة والزنا وربما القتل؛ حدا من الحدود في الدنيا، فيكون ذلك أبلغ في الزجر والمنع عن اقتراف هذه الكبيرة، كما هو الحال في حد الزنا والسرقة والقتل وغيرها من الحدود؟ ولعل وجه الحكمة في ذلك أن أفراد هذه المعاملة الاقتصادية تختلف وتتباين تباينا شديدا من حيث ما تلحقه من المفاسد والأضرار، فأين شراء صاع من تمر جيد بصاعين من تمر رديء لأجل مطعم النبي صلى الله عليه وسلم، مما يحدث في زمننا من المضاربة والمقامرة بالورق النقدي عبر إباحة التفاضل بين أنواعه، لا شك أن ما بين هذا وذاك كما بين السماء والأرض، فإذا نصب لهذه الكبيرة حد، كان واجبا أن يقام على من باع صاعا بصاعين فلتة، ومرة في العمر، كما يقام على من اعتاد الربا واتخذه مهنة وتجارة دائمة يختلط فيها الربا بلحمه ودمه، حتى يصبح عسيرا عليه الإنفكاك عن هذا الإثم.

ولذا كان من الحكمة - والله تعالى أعلم - أن لا ينصب لهذه الكبيرة حد، وأن يترك القضاء فيها للحاكم يقرر من التعزيرات الشرعية ما يناسب كل حالة بخصوصها، فقد يكتفي بمجرد التوبيخ والتغليظ في الحالات الفردية الخاصة التي يكون ضررها محدودا، وقد يلجأ إلى إنزال أشد العقوبات في الحالات العامة التي ينتشر ضررها، ويعم فسادها، ولذلك جاء عن ﺍﻟﺤﺴﻦ ﻭﺍﺑﻦ سيرﻳﻦ رحمهما الله تعالى أنهما قالا : ﻭﺍﻟﻠﻪ ﺇﻥ ﻫﺆﻻﺀ ﺍﻟﺼﻴﺎﺭﻓﺔ ﻷﻛﻠﺔ ﺍﻟﺮﺑﺎ، ﺇﻧﻬﻢ ﺃﺫﻧﻮﺍ ﺑﺤﺮﺏ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺭﺳﻮﻟﻪ، ﻭﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺎﺱ إﻣﺎﻡ ﻋﺎﺩﻝ ﻻﺳﺘﺘﺎﺑﻬﻢ، ﻓﺈﻥ ﺗﺎﺑﻮﺍ ﻭﺇﻻ ﻭﺿﻊ ﻓﻴﻬﻢ ﺍﻟﺴﻼﺡ.

وعليه فلو قيل أن حاكما ما، أنزل أشد العقوبات بمن يضارب في سوق الأوراق النقدية عبر إباحة التفاضل بين الورق النقدي، ولو كان ذلك بعقوبة الإعدام والقتل لمن يصر على التعامل بهذا الربا بعد البيان والتحذير من ذلك. لم أر في ذلك تجاوزا وظلما والله تعالى أعلم. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (من كان مقيما على الربا لا ينزع عنه كان حقا على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه).

وبعد، فإن المفارقة العجيبة في كل هذا؛ أن غموض باب الربا ودقة أحكامه مع ما جاء فيه من الوعيد والترهيب الشديد دفع سلفنا الصالح رضوان الله عليهم لشدة الاحتياط والتورع في هذا الباب، وحملهم على الاجتهاد الشديد في البحث والتنقيب عن الربا في شتى أنواع المعاملات الاقتصادية، يطاردون خياله، ويستقصون آثاره، ويصدون الناس عن شبهه، ويحذرونهم من مجرد الاقتراب من حماه...

حتى إنهم كانوا يحملون غير المنصوص عليه على المنصوص عليه بمجرد الشبه والتقارب في المعنى، ولو لم تظهر لهم علة حقيقية في الأصل، وكانوا أيضا يتحرون أغراض الشارع في كل ما جاء عنه في هذا الباب من أحكام، مهما عظم أو صغر هذا الحكم، فإذا عثروا على غرض له في شيء من تلك الأحكام، التزموه وبنوا عليه حكم الشارع الحكيم في كل ما هو في معناه من الصور، وإن لم يعقلوا حكمة للشارع في هذا الغرض، فإن الشارع حكيم، والشريعة لا تفرق بين المتماثلات.

وهذا المنهج الذي انتهجه السلف مع باب الربا، وفي غيره من الأبواب، خلف لنا ثروة عظيمة متراكمة من قوانين ونظم المعاملات الإنسانية الضاربة في أصل العدالة وجذرها، التي لم تصل إليها أمة من الأمم قبلنا، ولن تصلها أمة بعدنا حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

أما نحن في هذه الأعصر المتأخرة فقد سرنا ضد منهج السلف في هذا الباب للأسف الشديد، حيث اتخذنا من غموض هذا الباب وعدم فهمنا لمعانيه ذريعة للتملص من أحكامه، والتخلص من تلك القوانين التي استنبطها السلف رعاية وصونا لهذا الباب الخطير واتقاء لما جاء فيه من الوعيد الشديد.

فجعلنا نهدم ذلك البناء العظيم من القوانين والنظم، ونقطع أغصان وفروع تلك الشجرة الباسقة غصنا بعد غصن، وفرعا بعد فرع، حتى تركناها جذعا يابسا لا حياة فيه. فما الربا عند بعضنا اليوم إلا ما كان قرضا يسترده المرابي أضعافا مضاعفة، وما عدا ذلك من القروض الربوية، فضلا عن المعاملات والبيوع الربوية فليست إلا مذاهب شاذة أكل عليها الزمان وشرب، وآراء ارتآها بعض المتعصبين المتشددين والتي لم تعد تصلح لهذا الزمان، ولهذه الحضارة!.

وإذا كان الربا عند هؤلاء هو القروض التي تسترد أضعافا مصاعفة، فإن البعض الآخر لا يرى هذا عاما في جميع القروض، حيث يقصرون الربا على القروض الاستهلاكية فقط، دون أن يضعوا لذلك ضابطا يمكن الاعتماد عليه للتمييز بين قروض الاستهلاك وقروض الإنتاج، فقد يأتي فقير معدم يطلب قرضا هو في أمس الحاجة إليه ليتكسب به في تجارة أو حرفة أو غيرهما من وجوه الكسب

1 year, 11 months ago

فما يقع فيه غلاة عدم العذر بالجهل من التبرؤ من أهل القبلة، مشابه تماما في أصوله، وفي غلوه، وتنطعه، وفي سطحيته؛ لما وقع فيه الخوارج قديما، بل إن بعض أقوالهم قد تتشابه تماما مع بعض أقوال فرق الخوارج قديما، ومن راجع تاريخ الخوارج القديم وقع على أشياء من ذلك، كاشتراط بعض الخوارج للعلم بالله ومعرفته، ثم يختلفون في القدر المجزئ من ذلك، هل يلزم العلم بجميع الأسماء الحسنى، أم يجزئ العلم ببعضها فقط، وهم في كل ذلك لا يفرقون بين الإيمان والإسلام، وبين الحقيقة فيهما ومجرد الحكم. فقارن هذا الشرط مع اشتراطات صاحب المجهر، ترى حجم الشبه بين المذهبين.

وفي المقابل فإن غلاة العذر بالجهل، لهم أقوال تتشابه مع أقوال بعض المبتدعة، كاستدلالهم بقول الله تعالى: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) على نفي إكفار الجاهل مطلقا، وهذا القول مع استدلاله لم يسبقهم إليه أحد من السلف، إلا ما كان من بعض المبتدعة كبعض المعتزلة وأضرابهم، بل هؤلاء كانوا أكثر غلوا في هذا الاستدلال، حيث نفوا الكفر عن الكافر الأصلي بسبب عارض الجهل في الدنيا والآخرة، بينما كان أولئك المبتدعة يثبتون كفر هؤلاء في الدنيا، وإنما ينفون الكفر عنهم في الآخرة فقط.

ومن الإشكالات العظيمة في هذا الاستدلال، أنهم يبنونه على فرض خيالي لا يستطيعون إثباته ولو انطبقت السماء على الأرض، وهذا الفرض هو أن هذا الجاهل لم يكن الإيمان في وسعه، مع أن الله تعالى يقول: ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا )( فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا )( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا )( وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ).

وعلة هذا الفرض هي نفس العلة في كثير من أحكامهم الجائرة، وقد تقدم شيء منها، وهي أنهم يبنون أحكامهم على علم الله، لا علم أنفسهم هم، كأنهم يرون أنهم قد وصلوا إلى علم الله، فصاروا يتصرفون فيه كما يشاؤون، فيثبتون عجز العاجز عن الإيمان متى شاؤوا، وينفونه متى شاؤوا.

وهذا كله من نتيجة الجدل في الدين، وما يؤدي إليه هذا الجدل من التعمق، والتنطع والمشادة للدين، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه كما قال الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه. وإن الله جلت قدرته لم يكلفهم بشيء بذلك، إنما كلفهم بإجراء الأحكام على ظواهر المحكوم عليه، وفي حدود مبلغ علمهم فقط. وقد قال الله تعالى: ( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ). الإسراء (36)

فلو أن هؤلاء وخصومهم من غلاة عدم العذر، وقفوا مع ما سماه الله لهم ورسوله من الأسماء الشرعية، وأنزلوها كما هي على الأنواع والأعيان بحسب ضوابطها وحدودها التي كان عليها السلف الصالح رضوان الله عليهم، ولم يتنطعوا، ولم يجادلوا فيها هذا الجدال الكلامي الفلسفي العقيم المذموم، لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه الآن، ولما اختلفوا وتنازعوا وتفرقوا هذا التفرق الذي هم عليه الآن.

وقد قال الله تعالى: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ).البقرة (213)

فهذا هو خبر طرفي الغلو هذه المسألة؛ مسألة العذر بالجهل. وبين هؤلاء وهؤلاء، من توسط في هذه المسألة، وهؤلاء لما تقوقعوا في مسألة العذر بالجهل، وقصروا نظرهم عليها، ولم يجاوزوا به إلى أصولها؛ جاء كلاهم في هذه المسألة ضعيفا مترددا، ولذا فإنه وإن كان حقا في مجمله، إلا أنه لم يقوى على جواب من تخبط وانحرف في هذه المسألة، لا من غلا في العذر، ولا من غلا في عدم العذر.

هذا، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

We recommend to visit

قناة احمد علي على تيليجرام ( شروحات تقنية ، تطبيقات ، ‏أفلام ومسلسلات ، خلفيات ، و المزيد )

Last updated 1 year, 3 months ago

يرمز تيليجرام إلى الحريّة والخصوصيّة ويحوي العديد من المزايا سهلة الاستخدام.

Last updated 1 year, 4 months ago

- بوت الإعلانات: ? @FEFBOT -

- هناك طرق يجب ان تسلكها بمفردك لا اصدقاء، لا عائلة، ولا حتى شريك، فقط انت.

My Tragedy Lies With Those Things That Happen in One Second And Remain

- @NNEEN // ?: للأعلانات المدفوعة -

Last updated 1 year, 5 months ago