خَيرُ الكُتبِ •°

Description
قناة بسيطة ، نتدارس فيها أنفع الكتب المؤلفة ، بتقدير منشور واحد في اليوم للقراءة والإستفادة ، نفعنا الله وإياكم بها.

•المقرر الحالي : (كتاب الداء والدواء)
•المقرر السابق : (كتاب إغاثة اللهفان)
•المقرر التالي : (سيتم أختياره قريباً)
We recommend to visit

قناة احمد علي على تيليجرام ( شروحات تقنية ، تطبيقات ، ‏أفلام ومسلسلات ، خلفيات ، و المزيد )

Last updated 1 year, 3 months ago

يرمز تيليجرام إلى الحريّة والخصوصيّة ويحوي العديد من المزايا سهلة الاستخدام.

Last updated 1 year, 4 months ago

- بوت الإعلانات: ? @FEFBOT -

- هناك طرق يجب ان تسلكها بمفردك لا اصدقاء، لا عائلة، ولا حتى شريك، فقط انت.

My Tragedy Lies With Those Things That Happen in One Second And Remain

- @NNEEN // ?: للأعلانات المدفوعة -

Last updated 1 year, 5 months ago

2 years, 7 months ago

°•

الداء والدواء[232|234]

وهذا خليل الله إبراهيم كان عنده سارة أجمل نساء العالمين، وأحب هاجر وتسرى بها.

وهذا داود عليه السلام كان عنده تسعة وتسعون امرأة، فأحب تلك المرأة وتزوجها فكمل المائة، وهذا سليمان ابنه عليه السلام كان يطوف في الليلة على تسعين امرأة.

«وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أحب الناس إليه، فقال: عائشة - رضي الله عنها - وقال عن خديجة: إني رزقت حبها» .

فمحبة النساء من كمال الإنسان، قال ابن عباس: خير هذه الأمة أكثرها نساء، وقد ذكر الإمام أحمد أن عبد الله بن عمر وقع في سهمه يوم جلولاء جارية كأن عنقها إبريق من فضة، قال عبد الله: فما صبرت عنها أن قبلتها والناس ينظرون، وبهذا احتج الإمام أحمد على جواز الاستمتاع من المسبية قبل الاستبراء بغير الوطء، بخلاف الأمة المشتراة.

والفرق بينهما أن انفساخ الملك لا يتوهم في المسبية بخلاف المشتراة، فقد ينفسخ فيها الملك، فيكون مستمتعا بأمة غيره.

وقد شفع النبي - صلى الله عليه وسلم - لعاشق أن تواصله معشوقته بأن تتزوج به فأبت، وذلك في قصة مغيث وبريرة «لما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - يمشي خلفها ودموعه تجري على خديه، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو راجعتيه؟ فقالت: أتأمرني يا رسول الله، قال: لا، إنما أشفع، فقالت: لا حاجة لي به، فقال لعمه: يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغضها له، ولم ينكر عليه حبها، وإن كانت قد بانت منه» .

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يساوي بين نسائه في القسم ويقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك» يعني في الحب، وقد قال تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} [سورة النساء: ١٢٩] ، يعني في الحب والجماع.

ولم يزل الخلفاء الراشدون والرحماء من الناس يشفعون للعشاق إلى معشوقهم الجائز وصلهن، كما تقدم من فعل أبي بكر وعثمان، وكذلك علي - رضي الله عنه - أتي بغلام من العرب وجد في دار قوم بالليل، فقال له: ما قصتك؟ قال: لست بسارق، ولكني أصدقك:
تعلقت في دار الرياحي خودة ... يذل لها من حسن منظرها البدر
لها في بنات الروم حسن ومنظر ... إذا افتخرت بالحسن خافتها الفخر
فلما طرقت الدار من حر مهجتي ... أبيت وفيها من توقدها الجمر
تبادر أهل الدار بي ثم صيحوا ... هو اللص محتوما له القتل والأسر

فلما سمع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - شعره، رق له، وقال للمهلب بن رباح: اسمح له بها، فقال: يا أمير المؤمنين، سله من هو؟ فقال: النهاس بن عيينة، فقال: خذها فهي لك.
واشترى معاوية جارية فأعجب بها إعجابا شديدا، فسمعها يوما تنشد أبياتا منها:
وفارقته كالغصن يهتز في الثرى ... طريرا وسيما بعد ما طر شاربه
فسألها، فأخبرته أنها تحب سيدها، فردها إليه وفي قلبه منها.

وذكر الزمخشري في ربيعة أن زبيدة قرأت في طريق مكة على حائط:
أما في عباد الله أو في إمائه ... كريم يجلي الهم عن ذاهب العقل
له مقلة أما الأماقي قريحة ... وأما الحشا فالنار منه على رجل

فنذرت أن تحتال لقائلها إن عرفته حتى تجمع بينه وبين من يحبه، فبينا هي بالمزدلفة،إذ سمعت من ينشدهما، فطلبته، فزعم أنه قالهما في ابنة عم له نذر أهلها أن لا يزوجوها منه، فوجهت إلى الحي، وما زالت تبذل لهم المال حتى زوجوها منه، وإذا المرأة أعشق له منه لها، فكانت تعده من أعظم حسناتها، وتقول: ما أنا بشيء أسر مني من جمعي بين ذلك الفتى والفتاة.

وقال الخرائطي: وكان لسليمان بن عبد الملك غلام وجارية يتحابان، فكتب الغلام إليها يوما:

ولقد رأيتك في المنام كأنما ... عاطيتني من ريق فيك البارد
وكأن كفك في يدي وكأننا ... بتنا جميعا في فراش واحد
فطفقت يومي كله متراقدا ... لأراك في نومي ولست براقد

فأجابته الجارية:
خيرا رأيت وكل ما أبصرته ... ستناله مني برغم الحاسد
إني لأرجو أن تكون معانقي ... فتبيت مني فوق ثدي ناهد
وأراك بين خلاخلي ودمالجي ... وأراك فوق ترائبي ومجاسدي
فبلغ سليمان ذلك فأنكحها الغلام وأحسن حالهما على فرط غيرته.

وقال جامع بن برخية: سألت سعيد بن المسيب مفتي المدينة: هل في حب دهمنا من وزر؟
فقال سعيد: إنما تلام على ما تستطيع من الأمر، فقال سعيد: والله ما سألني أحد عن هذا، ولو سألني ما كنت أجيب إلا به.

2 years, 7 months ago

°•

الداء والدواء [230|232]

[فصل محبة الزوجات]

وأما محبة الزوجات: فلا لوم على المحب فيها بل هي من كماله، وقد امتن الله سبحانه بها على عباده فقال:

{ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [سورة الروم: ٢١] .

فجعل المرأة سكنا للرجل، يسكن قلبه إليها، وجعل بينهما خالص الحب، وهو المودة المقترنة بالرحمة، وقد قال تعالى عقيب ذكره ما أحل لنا من النساء وما حرم منهن: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم - والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما - يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} [سورة النساء: ٢٦ - ٢٨] .

ذكر سفيان الثوري في تفسيره عن ابن طاوس عن أبيه: كان إذا نظر إلى النساء لم يصبر.
وفي الصحيح من حديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه رأى امرأة، فأتى زينب فقضى حاجته منها، وقال: إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه» ، ففي هذا الحديث عدة فوائد:

منها: الإرشاد إلى التسلي عن المطلوب بجنسه، كما يقوم الطعام مكان الطعام، والثوب مقام الثوب.

ومنها: الأمر بمداواة الإعجاب بالمرأة المورث لشهوتها بأنفع الأدوية، وهو قضاء وطره من أهله، وذلك ينقض شهوته لها، وهذا كما أرشد المتحابين إلى النكاح، كما في سنن ابن ماجه مرفوعا: «لم ير للمتحابين مثل النكاح» .

فنكاح المعشوقة هو دواء العشق الذي جعله الله دواء شرعا، وقد تداوى به داود عليه السلام ولم يرتكب نبي الله محرما، وإنما تزوج المرأة وضمها إلى نسائه لمحبته لها، وكانت توبته بحسب منزلته عند الله وعلو مرتبته، ولا يليق بنا المزيد على هذا.

وأما قصة زينب بنت جحش: فزيد كان قد عزم على طلاقها ولم توافقه، وكان يستشير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فراقها، وهو يأمره بإمساكها، فعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه مفارقها لا بد، فأخفى في نفسه أنه يتزوجها إذا فارقها زيد، وخشي مقالة الناس: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج زوجة ابنه، فإنه كان قد تبنى زيدا قبل النبوة، والرب تعالى يريد أن يشرع شرعا عاما فيه مصالح عباده، فلما طلقها زيد، وانقضت عدتها منه، أرسله إليها يخطبها لنفسه، فجاء زيد واستدبر الباب بظهره، وعظمت في صدره لما ذكرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فناداها من وراء الباب: يا زينب إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطبك، فقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، وقامت إلى محرابها فصلت، فتولى الله عز وجل نكاحها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه، وعقد النكاح له فوق عرشه، وجاء الوحي بذلك: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها} [سورة الأحزاب: ٣٧] .

فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لوقته فدخل عليها، فكانت تفخر على نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وتقول: أنتن زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات، فهذه قصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع زينب.

ولا ريب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد حبب إليه النساء، كما في الصحيح عن أنس عنه - صلى الله عليه وسلم -: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» هذا لفظ الحديث، لا ما يرويه بعضهم:

«حبب إلي من دنياكم ثلاث،» زاد الإمام أحمد في كتاب الزهد في هذا الحديث: «أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن» ، وقد حسده أعداء الله اليهود على ذلك فقالوا: ما همه إلا النكاح، فرد الله سبحانه عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - ونافح عنه، فقال: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما} [سورة النساء: ٥٤] .

2 years, 7 months ago

°•

الداء والدواء[229|230]

[فصل الحب الذي لا ينكر ولا يذم]

فهذا الحب لا ينكر ولا يذم، بل هو أحد أنواع الحب، وكذلك حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما نعني المحبة الخاصة، التي تشغل قلب المحب وفكره وذكره بمحبوبه، وإلا فكل مسلم في قلبه محبة الله ورسوله، لا يدخل الإسلام إلا بها، والناس متفاوتون في درجات هذه المحبة تفاوتا لا يحصيه إلا الله، فبين محبة الخليلين ومحبة غيرهما ما بينهما، فهذه المحبة هي التي تلطف وتخفف أثقال التكاليف، وتسخي البخيل، وتشجع الجبان، وتصفي الذهن، وتروض النفس، وتطيب الحياة على الحقيقة، لا محبة الصور المحرمة، وإذا بليت السرائر يوم اللقاء، وكانت سريرة صاحبها من خير سرائر العباد، كما قيل:
سيبقى لكم في مضمر القلب والحشا ... سريرة حب يوم تبلى السرائر

وهذه المحبة هي التي تنور الوجه، وتشرح الصدر، وتحيي القلب، وكذلك محبة كلام الله، فإنه من علامة حب الله، وإذا أردت أن تعلم ما عندك وعند غيرك من محبة الله، فانظر محبة القرآن من قلبك، والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب الملاهي والغناء المطرب بسماعهم، فإن من المعلوم أن من أحب محبوبا كان كلامه وحديثه أحب شيء إليه كما قيل: إن كنت تزعم حبي فلم هجرت كتابي؟ ... أما تأملت ما فيه من لذيذ خطابي

وقال عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله، وكيف يشبع المحب من كلام محبوبه وهو غاية مطلوبه؟ وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما لعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: «اقرأ علي، فقال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فاستفتح سورة النساء، حتى إذا بلغ قوله: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} [سورة النساء: ٤١] ، قال: حسبك الآن، فرفع رأسه فإذا عينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تذرفان من البكاء» .

وكان الصحابة إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى يقولون: يا أبا موسى ذكرنا ربنا، فيقرأ، وهم يستمعون، فلمحبي القرآن - من الوجد، والذوق، واللذة، والحلاوة، والسرور - أضعاف ما لمحبي السماع الشيطاني، فإذا رأيت الرجل، ذوقه، ووجده، وطربه، وتشوقه إلى سماع الأبيات دون سماع الآيات، وسماع الألحان دون سماع القرآن، كما قيل:

تقرأ عليك الختمة وأنت جامد كالحجر، وبيت من الشعر ينشد تميل كالسكران.

فهذا من أقوى الأدلة على فراغ قلبه من محبة الله وكلامه، وتعلقه بمحبة سماع الشيطان، والمغرور يعتقد أنه على شيء.

ففي محبة الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - أضعاف أضعاف ما ذكر السائل من فوائد العشق ومنافعه، بل لا حب على الحقيقة أنفع منه، وكل حب سوى ذلك باطل إن لم يعن عليه ويسق المحب إليه.

2 years, 7 months ago

°•

الداء والدواء [219|220]

استكمال...

قم بنا إلى مسجد الأحزاب، فلعل الله أن يكشف كربتك، فقال: أرجو ذلك إن شاء الله ببركة طاعتك، فذهبنا حتى أتينا مسجد الأحزاب، فسمعته يقول:

يا للرجال ليوم الأربعاء أما ... ينفك يحدث لي بعد النهى طربا
ما إن يزال غزال منه يقتلني ... يأتي إلى مسجد الأحزاب منتقبا
يخبر الناس أن الأجر همته ... وما أتى طالبا للأجر محتسبا
لو كان يبغي ثوابا ما أتى صلفا ... مضمخا بفتيت المسك مختضبا

ثم جلسنا حتى صلينا الظهر، فإذا بالنسوة قد أقبلن وليست الجارية فيهن، فوقفن عليه، وقلن له: يا عتبة ما ظنك بطالبة وصلك، وكاسفة بالك؟ قال: وما بالها، قلن: أخذها أبوها وارتحل بها إلى أرض السماوة، فسألتهن عن الجارية، فقلن: هي ريا بنت الغطريف السلمي، فرفع عتبة رأسه إليهن وقال:

خليلي ريا قد أجد بكورها ... وسارت إلى أرض السماوة غيرها
خليلي إني قد عشيت من البكا ... فهل عند غيري مقلة أستعيرها

فقلت له: إني قد وردت بمال جزيل أريد به أهل الستر، ووالله لأبذلنه أمامك حتى تبلغ رضاك وفوق الرضا، فقم بنا إلى مسجد الأنصار، فقمنا وسرنا حتى أشرفنا على ملأ منهم، فسلمت، فأحسنوا الرد، فقلت: أيها الملأ، ما تقولون في عتبة وأبيه؟ قالوا: من سادات العرب، قلت: فإنه قد رمي بداهية من الهوى وما أريد منكم إلا المساعدة إلى السماوة، فقالوا: سمعا وطاعة، فركبنا وركب القوم معنا حتى أشرفنا على منازل بني سليم، فأعلم الغطريف بنا، فخرج مبادرا فاستقبلنا، وقال: حييتم يا كرام، فقلنا: وأنت فحياك إنا لك أضياف، فقال: نزلتم أكرم منزل، ثم نادى: يا معشر العبيد، أنزلوا القوم، ففرشت الأنطاع والنمارق، وذبحت الذبائح، فقلنا: لسنا بذائقي طعامك حتى تقضي حاجتنا، فقال: وما حاجتكم؟ قلنا: نخطب عقيلتك الكريمة لعتبة بن الحباب بن المنذر، فقال: إن التي تخطبونها أمرها إلى نفسها، وأنا أدخل أخبرها، ثم دخل مغضبا على ابنته، فقالت: يا أبت ما لي أرى الغضب في وجهك؟ ، فقال: قد ورد الأنصار يخطبونك مني، فقالت: سادات كرام، استغفر لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلمن الخطبة منهم؟ فقال: لعتبة بن الحباب، قالت: والله لقد سمعت عن عتبة هذا: إنه يفي بما وعد، ويدرك إذا قصد، فقال: أقسمت لا أزوجنك به أبدا، ولقد نمى إلي بعض حديثك معه، فقالت: ما كان ذلك، ولكن إذ أقسمت، فإن الأنصار لا يردون ردا قبيحا، حسن لهم الرد، فقال: بأي شيء؟ قالت: أغلظ عليهم المهر، فإنهم يرجعون ولا يجيبون، فقال: ما أحسن ما قلت، فخرج مبادرا عليهم، فقال: إن فتاة الحي قد أجابت، ولكني أريد لها مهر مثلها، فمن القائم به؟ فقال عبد الله بن معمر: أنا، فقل ما شئت، فقال: ألف مثقال من الذهب، ومائة ثوب من الأبراد، وخمسة أكرشة من عنبر، فقال عبد الله: لك ذلك كله، فهل أجبت، قال: نعم، قال عبد الله: فأنفذت نفرا من الأنصار إلى المدينة، فأتوا بجميع ما طلب، ثم صنعت الوليمة، وأقمنا على ذلك أياما، ثم قال: خذوا فتاتكم وانصرفوا مصاحبين، ثم حملها في هودج، وجهزها بثلاثين راحلة من المتاع والتحف، فودعناه وسرنا، حتى إذا بقي بيننا وبين المدينة مرحلة واحدة، خرجت علينا خيل تريد الغارة
أحسبها من سليم، فحمل عليها عتبة بن الحباب، فقتل منهم رجالا، وجرح آخرين، ثم رجع وبه طعنة تفور دما، فسقط إلى الأرض، وانثنى بخده، فطردت عنا الخيل وقد قضى عتبة نحبه، فقلنا: واعتبتاه، فسمعتنا الجارية، فألقت نفسها من البعير، وجعلت تصيح بحرقة، وأنشدت:

تصبرت لا أني صبرت وإنما ... أعلل نفسي أنها بك لاحقه
فلو أنصفت روحي لكانت إلى الردى ... أمامك من دون البرية سابقه
فما أحد بعدي وبعدك منصف ... خليلا ولا نفس لنفس موافقه

ثم شهقت وقضت نحبها، فاحتفرنا لهما قبرا واحدا ودفناهما فيه، ثم رجعت إلى المدينة، فأقمت سبع سنين، ثم ذهبت إلى الحجاز ووردت المدينة فقلت: والله لآتين قبر عتبة أزوره، فأتيت القبر، فإذا عليه شجرة عليها عصائب حمر وصفر، فقلت: لأرباب المنزل ما يقال لهذه الشجرة؟ قالوا: شجرة العروسين.
ولو لم يكن في العشق من الرخصة المخالفة للتشديد إلا الحديث الوارد بالحسن من الأسانيد، وهو حديث سويد بن سعيد بن علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس يرفعه: «من عشق وعف، وكتم فمات فهو شهيد» ورواه سويد أيضا عن ابن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا، ورواه الخطيب عن الأزهري عن المعافى بن زكريا عن قطبة عن ابن الفضل عن أحمد بن مسروق عنه، ورواه الزبير بن بكار عن عبد العزيز الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد عن ابن عباس.

2 years, 7 months ago

ونظير ذلك فتوى وردت على الشيخ أبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكوذاني شيخ الحنابلة في وقته رحمه الله:
قل للإمام أبي الخطاب: مسألة ... جاءت إليك وما خلق سواك لها
ماذا على رجل رام الصلاة فمذ ... لاحت لخاطره ذات الجمال لها
فأجابه تحت السؤال:

قل للأديب الذي وافى بمسألة ... سرت فؤادي لما أن أصخت لها
إن التي فتنته عن عبادته ... خريدة ذات حسن فانثنى ولها
إن تاب ثم قضى عنه عبادته ... فرحمة الله تغشى من عصى ولها

وقال عبد الله بن معمر القيسي: حججت سنة، ثم دخلت ذات ليلة مسجد المدينة لزيارة قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبينما أنا جالس بين القبر والمنبر، إذ سمعت أنينا فأصغيت إليه فإذا هو يقول:

أشجاك نوح حمائم السدر ... فأهجن منك بلابل الصدر أم عز نومك ذكر غانية ... أهدت إليك وساوس الفكر
يا ليلة طالت على دنف ... يشكو السهاد وقلة الصبر
أسلمت من تهوى لحر جوى ... متوقد كتوقد الجمر
فالبدر يشهد أنني كلف ... مغرى بحب شبيهة البدر
ما كنت أحسبني أهيم بحبها ... حتى بليت وكنت لا أدري
ثم انقطع الصوت، فلم أدر من أين جاء، وإذا به قد عاد البكاء والأنين، ثم أنشد:

أشجاك من ريا خيال زائر ... والليل مسود الذوائب عاكر
واغتال مهجتك الهوى برسيسة ... واهتاج مقلتك الخيال الزائر
ناديت ريا والظلام كأنه ... يم تلاطم فيه موج زاخر
والبدر يسري في السماء كأنه ... ملك ترجل والنجوم عساكر
وترى به الجوزاء ترقص في الدجى ... رقص الحبيب علاه سكر ظاهر
يا ليل طلت على محب ما له ... إلا الصباح مساعد ومؤازر
فأجابني مت حتف أنفك واعلمن ... أن الهوى لهو الهوان الحاضر

قال: وكنت ذهبت عند ابتدائه بالأبيات فلم يتنبه إلا وأنا عنده، فرأيت شابا مقتبلا شبابه قد خرق الدمع في خده خرقين، فسلمت عليه، فقال: اجلس، من أنت؟ فقلت عبد الله بن معمر القيسي، قال: ألك حاجة؟ قلت: نعم كنت جالسا في الروضة، فما راعني إلا صوتك، فبنفسي أفديك فما الذي تجده؟ فقال أنا عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري، غدوت يوما إلى مسجد الأحزاب فصليت فيه، ثم اعتزلت غير بعيد، فإذا بنسوة قد أقبلن يتهادين مثل القطا، وإذا في وسطهن جارية بديعة الجمال، كاملة الملاحة، فوقفت علي، فقالت: يا عتبة، ما تقول في وصل من يطلب وصلك؟ ثم تركتني وذهبت، فلم أسمع لها خبرا، ولا قفوت لها أثرا، وأنا حيران أنتقل من مكان إلى آخر، ثم صرخ وأكب مغشيا عليه، ثم أفاق، كأنما صبغت وجنتاه بورس، ثم أنشد:

أراكم بقلبي من بلاد بعيدة ... فيا هل تروني بالفؤاد على بعدي
فؤادي وطرفي يأسفان عليكم ... وعندكم روحي وذكركم عندي
ولست ألذ العيش حتى أراكم ... ولو كنت في الفردوس في جنة الخلد
فقلت: يا ابن أخي، تب إلى ربك واستغفره من ذنبك، فبين يديك هول المطلع، فقال: ما أنا بسال حتى يئوب القارظان، ولم أزل معه إلى أن طلع الصبح، فقلت: قم بنا إلى مسجد الأحزاب، فلعل الله أن يكشف كربتك، فقال: أرجو ذلك إن شاء الله ببركة طاعتك، فذهبنا حتى أتينا مسجد الأحزاب،

يتبع...

2 years, 8 months ago

°•

الداء والدواء [216|219]

تابع...

وهذا أبو بكر بن محمد بن داود الظاهري العالم المشهور في فنون العلم: من الفقه، والحديث، والتفسير، والأدب، وله قوله في الفقه، وهو من أكابر العلماء، وعشقه مشهور.

قال نفطويه: دخلت عليه في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف تجدك؟ فقال: حب من تعلم أورثني ما ترى، فقلت: وما يمنعك من الاستمتاع به مع القدرة عليه؟ فقال: الاستمتاع على وجهين: أحدهما: النظر المباح، والآخر: اللذة المحظورة، فأما النظر المباح فهو الذي أورثني ما ترى، وأما اللذة المحظورة فيمنعني منها ما حدثني أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتاب عن مجاهد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - يرفعه: «من عشق وكتم وعف وصبر، غفر الله له وأدخله الجنة ".» ثم أنشد:

انظر إلى السحر يجري من لواحظه ... وانظر إلى دعج في طرفه الساجي
وانظر إلى شعرات فوق عارضه ... كأنهن نمال دب في عاج

ثم أنشد:
ما لهم أنكروا سوادا بخديه ... ولا ينكرون ورد الغصون؟
إن يكن عيب خده برد الشعر ... فعيب العيون شعر الجفون

فقلت له: نفيت القياس في الفقه، وأثبته في الشر؟ فقال: غلبة الوجد وملكة النفس دعت إليه، ثم مات من ليلته، وبسبب معشوقه صنف كتاب الزهرة.

ومن كلامه فيه: " من يئس ممن يهواه، ولم يمت من وقته سلاه، وذلك أول روعات اليأس تأتي القلب وهو غير مستعد لها، فأما الثانية فتأتي القلب وقد وطأته لها الروعة الأولى ".

والتقى هو وأبو العباس بن سريج في مجلس أبي الحسن علي بن عيسى الوزير، فتناظرا في مسألة من الإيلاء، فقال له ابن سريج: أنت بأن تقول: من دامت لحظاته؛ كثرت حسراته، أحذق منك بالكلام على الفقه، فقال: لئن كان ذلك فإني أقول:

أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... يصب على الصخر الأصم تهدما
وينطق طرفي عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي وده لتكلما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فلست أرى ودا صحيحا مسلما

فقال له أبو العباس بن سريج: بم تفخر علي؟ ولو شئت لقلت:

ومطاعمه كالشهد في نغماته ... قد بت أمنعه لذيذ سناته
بصبابة وبحسنه وحديثه ... وأنزه اللحظات عن وجناته
حتى إذا ما الصبح راح عموده ... ولى بخاتم ربه وبراته

فقال أبو بكر: يحفظ عليه الوزير ما أقر به حتى يقيم شاهدا على أنه ولى بخاتم ربه وبراءته، فقال ابن سريج: يلزمني في هذا ما يلزمك في قولك: أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما

فضحك الوزير، وقال: لقد جمعتما لطفا وظرفا، ذكر ذلك أبو بكر الخطيب في تاريخه.
وجاءته يوما فتيا مضمونها:

يا ابن داود يا فقيه العراق ... أفتنا في قواتل الأحداق
هل عليها بما أتت من جناح ... أم حلال لها دم العشاق

فكتب بخطه تحت البيتين:
عندي جواب مسائل العشاق ... فاسمعه من قرح الحشا مشتاق
لما سألت عن الهوى هيجتني ... وأرقت دمعا لم يكن بمراق
إن كان معشوقا يعذب عاشقا ... كان المعذب أنعم العشاق
قال صاحب كتاب " منازل الأحباب "، شهاب الدين محمد بن سليمان بن فهد صاحب كتاب الإنشاء: وقلت في جواب البيتين على قافيتهما مجيبا للسائل:

قل لمن جاء سائلا عن لحاظ ... هن يلعبن في دم العشاق
ما على السيف في الورى من جناح ... إن ثنى الحد عن دم مهراق
وسيوف اللحاظ أولى بأن تص ... فح عما جنت على العشاق
إنما كل من قتلن شهيد ... ولهذا يفنى ضنى وهو باق

2 years, 8 months ago

°•

الداء والدواء [205|206]

[فصل عشق اللوطية]

والطائفة الثانية، الذين حكى الله عنهم العشق: هم اللوطية كما قال تعالى: {وجاء أهل المدينة يستبشرون - قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون - واتقوا الله ولا تخزون - قالوا أولم ننهك عن العالمين - قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين - لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} [سورة الحجر: ٦٧ - ٧٢] .

فهذه الأمة عشقت فحكاه سبحانه عن طائفتين، عشق كل منهما ما حرم عليه من الصور، ولم يبال بما في عشقه من الضرر.

وهذا داء أعيا الأطباء دواؤه، وعز عليهم شفاؤه، وهو والله الداء العضال، والسم القتال، الذي ما علق بقلب إلا وعز على الورى خلاصه من إساره، ولا اشتعلت ناره في مهجة إلا وصعب على الخلق تخليصها من ناره.

وهو أقسام:

تارة يكون كفرا: لمن اتخذ معشوقه ندا يحبه كما يحب الله، فكيف إذا كانت محبته أعظم من محبة الله في قلبه؟ فهذا عشق لا يغفر لصاحبه، فإنه من أعظم الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، وإنما يغفر بالتوبة الماحية ما دون ذلك.

وعلامة العشق الشركي الكفري: أن يقدم العاشق رضاء معشوقه على ربه، وإذا تعارض عنده حق معشوقه وحظه، وحق ربه وطاعته، قدم حق معشوقه على حق ربه، وآثر رضاه على رضاه، وبذل له أنفس ما يقدر عليه، وبذل لربه - إن بذل - أردأ ما عنده، واستفرغ وسعه في مرضاة معشوقه وطاعته والتقرب إليه، وجعل لربه - إن أطاعه - الفضلة التي تفضل معشوقه من ساعاته.

فتأمل حال أكثر عشاق الصور تجدها مطابقة لذلك، ثم ضع حالهم في كفة، وتوحيدهم وإيمانهم في كفة، ثم زن وزنا يرضى الله به ورسوله ويطابق العدل، وربما صرح العاشق منهم بأن وصل معشوقه أحب إليه من توحيد ربه، كما قال العاشق الخبيث:

يترشفن من فمي رشفات ... هن أحلى فيه من التوحيد

وكما صرح الخبيث الآخر أن وصل معشوقه أشهى إليه من رحمة ربه، وقد مر.

بلا ريب إن هذا العشق من أعظم الشرك، وكثير منهم يصرح بأنه لم يبق في قلبه موضع لغير معشوقه ألبتة، بل قد ملك عليه قلبه كله فصار عبدا محضا من كل وجه لمعشوقه، فقد رضي هذا من عبودية الخالق جل جلاله بعبودية مخلوق مثله: فإن العبودية هي كمال الحب والخضوع، وهذا قد استفرغ قوة حبه وخضوعه وذله لمعشوقه فقد أعطاه حقيقة العبودية.

ولا نسبة بين مفسدة هذا الأمر العظيم ومفسدة الفاحشة، فإن تلك ذنب كبير لفاعله حكم أمثاله، ومفسدة هذا العشق مفسدة الشرك، وكان بعض الشيوخ من العارفين يقول: لأن أبتلى بالفاحشة مع تلك الصورة أحب إلي من أن أبتلى فيها بعشق يتعبد لها قلبي ويشغله عن الله.

2 years, 8 months ago

°•

الداء والدواء [202|204]

[فصل عشق الصور]

ونختم الجواب بفصل متعلق بعشق الصور وما فيه من المفاسد العاجلة والآجلة، وإن كانت أضعاف ما ذكره ذاكر، فإنه يفسد القلب بالذات، وإذا فسد القلب؛ فسدت الإرادات والأقوال والأعمال، وفسد ثغر التوحيد كما تقدم، وكما سنقرره أيضا إن شاء الله تعالى.

والله سبحانه وتعالى إنما حكى هذا المرض عن طائفتين من الناس، وهم اللوطية والنساء، فأخبر عن عشق امرأة العزيز ليوسف، وما راودته وكادته به، وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفته وتقواه، مع أن الذي ابتلي به أمر لا يصبر عليه إلا من صبره الله، فإن مواقعة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال المانع، وكان الداعي هاهنا في غاية القوة، وذلك من وجوه:

أحدها: ما ركبه الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة، كما يميل العطشان إلى الماء، والجائع إلى الطعام، حتى إن كثيرا من الناس يصبر عن الطعام والشراب ولا يصبر عن النساء، وهذا لا يذم إذا صادف حلالا، بل يحمد كما في كتاب الزهد للإمام أحمد من حديث يوسف بن عطية الصفار عن ثابت البناني عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن» .

الثاني: أن يوسف عليه السلام كان شابا، وشهوة الشباب وحدته أقوى.

الثالث: أنه كان عزبا، ليس له زوجة ولا سرية تكسر شدة الشهوة.

الرابع: أنه كان في بلاد غربة، يتأتى للغريب فيها من قضاء الوطر ما لا يتأتى له في وطنه وبين أهله ومعارفه.

الخامس: أن المرأة كانت ذات منصب وجمال، بحيث إن كل واحد من هذين الأمرين يدعو إلى مواقعتها.

السادس: أنها غير ممتنعة ولا آبية، فإن كثيرا من الناس يزيل رغبته في المرأة إباؤها وامتناعها، لما يجد في نفسه من ذل الخضوع والسؤال لها، وكثير من الناس يزيده الإباء والامتناع إرادة وحبا، كما قال الشاعر:

وزادني كلفا في الحب أن منعت ... أحب شيء إلى الإنسان ما منعا

فطباع الناس مختلفة، فمنهم من يتضاعف حبه عند بذل المرأة ورغبتها، ويضمحل عند إبائها وامتناعها، وأخبرني بعض القضاة أن إرادته وشهوته تضمحل عند امتناع امرأته أو سريته وإبائها، بحيث لا يعاودها، ومنهم من يتضاعف حبه وإرادته بالمنع فيشتد شوقه كلما منع، ويحصل له من اللذة بالظفر بالضد بعد امتناعه ونفاره، واللذة بإدراك المسألة بعد استصعابها، وشدة الحرص على إدراكها.

السابع: أنها طلبت وأرادت وبذلت الجهد، فكفته مؤنة الطلب وذل الرغبة إليها، بل كانت هي الراغبة الذليلة، وهو العزيز المرغوب إليه.

الثامن: أنه في دارها، وتحت سلطانها وقهرها، بحيث يخشى إن لم يطاوعها من أذاها له، فاجتمع داعي الرغبة والرهبة.

التاسع: أنه لا يخشى أن تنم عليه هي ولا أحد من جهتها، فإنها هي الطالبة الراغبة، وقد غلقت الأبواب وغيبت الرقباء.

العاشر: أنه كان في الظاهر مملوكا لها في الدار، بحيث يدخل ويخرج ويحضر معها ولا ينكر عليه، وكان الأنس سابقا على الطلب وهو من أقوى الدواعي، كما قيل لامرأة شريفة من أشراف العرب: ما حملك على الزنى؟ قالت: قرب الوساد، وطول السواد، تعني قرب وساد الرجل من وسادتي، وطول السواد بيننا.

الحادي عشر: أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال، فأرته إياهن، وشكت حالها إليهن؛ لتستعين بهن عليه، واستعان هو بالله عليهن، فقال: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} [سورة يوسف: ٣٣] .

الثاني عشر: أنها توعدته بالسجن والصغار، وهذا نوع إكراه، إذ هو تهديد من يغلب على الظن وقوع ما هدد به، فيجتمع داعي الشهوة، وداعي السلامة من ضيق السجن والصغار.

الثالث عشر: أن الزوج لم يظهر منه الغيرة والنخوة ما يفرق به بينهما، ويبعد كلا منهما عن صاحبه، بل كان غاية ما قابلها به أن قال ليوسف: {أعرض عن هذا} وللمرأة: {واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين} وشدة الغيرة للرجل من أقوى الموانع، وهنا لم يظهر منه غيرة.

ومع هذه الدواعي كلها فآثر مرضاة الله وخوفه، وحمله حبه لله على أن اختار السجن على الزنى: {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} [سورة يوسف: ٣٣] .

وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه، وأن ربه تعالى إن لم يعصمه ويصرف عنه كيدهن؛ صبا إليهن بطبعه، وكان من الجاهلين، وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه.

وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على الألف فائدة، لعلنا إن وفق الله أن نفردها في مصنف مستقل.

2 years, 8 months ago

°•

الداء والدواء [201|202]

○الدين دينان :

والدين دينان دين شرعي أمري، ودين حسابي جزائي، وكلاهما لله وحده، فالدين كله لله أمرا أو جزاء، والمحبة أصل كل واحد من الدينين، فإن ما شرعه سبحانه وتعالى وأمر به يحبه ويرضاه، وما نهى عنه فإنه يكرهه ويبغضه؛ لمنافاته لما يحبه ويرضاه، فهو يحب ضده، فعاد دينه الأمري كله إلى محبته ورضاه.

ودين العبد لله به إنما يقبل إذا كان عن محبته ورضاه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:

«ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولا» ، فهذا مدين قائم بالمحبة وبسببها شرع، ولأجلها شرع، وعليها أسس، وكذلك دينه الجزائي، فإنه يتضمن مجازاة المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، وكل من الأمرين محبوب للرب، فإنهما عدله وفضله، وكلاهما من صفات كماله، وهو سبحانه يحب صفاته وأسماءه، ويحب من يحبها، وكل واحد من الدينين فهو صراطه المستقيم الذي هو عليه سبحانه فهو على صراط مستقيم، في أمره ونهيه، وثوابه وعقابه، كما قال تعالى إخبارا عن نبيه هود عليه الصلاة والسلام إذ قال لقومه: {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون - من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون - إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} [سورة هود: ٥٤ - ٥٦] .

ولما علم نبي الله هود عليه السلام أن ربه على صراط مستقيم في خلقه وأمره ونهيه، وثوابه وعقابه، وقضائه وقدره، ومنعه وعطائه، وعافيته وبلائه، وتوفيقه وخذلانه، لا يخرج في ذلك عن موجب كماله المقدس، الذي يقتضيه أسماؤه وصفاته، من العدل والحكمة والرحمة والإحسان والفضل، ووضع الثواب مواضعه، والعقوبة في موضعها اللائق بها، ووضع التوفيق والخذلان والعطاء والمنع والهداية والإضلال، كل ذلك في أماكنه ومحاله اللائقة به، بحيث يستحق على ذلك كمال الحمد والثناء، أوجب له ذلك العلم والعرفان، إذ نادى على رؤوس الملأ من قومه بجنان ثابت وقلب غير خائف بل متجرد لله {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون - من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون - إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} .

ثم أخبر عن عموم قدرته وقهره لكل ما سواه، وذل كل شيء لعظمته، فقال: {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} ، فكيف أخاف من ناصيته بيد غيره، وهو في قهره وقبضته وتحت قهره وسلطانه دونه، وهل هذا إلا من أجهل الجهل، وأقبح الظلم؟

ثم أخبر أنه سبحانه على صراط مستقيم، فكل ما يقضيه ويقدره فلا يخاف العبد جوره ولا ظلمه، فلا أخاف ما دونه، فإن ناصيته بيده، ولا أخاف جوره وظلمه، فإنه على صراط مستقيم، فهو سبحانه ماض في عبده حكمه، عدل فيه قضاؤه، له الملك وله الحمد، ولا يخرج في تصرفه في عباده عن العدل والفضل، إن أعطى وأكرم وهدى ووفق فبفضله ورحمته، وإن منع وأهان وأضل وخذل وأشقى فبعدله وحكمته، وهو على صراط مستقيم في هذا وهذا.

وفي الحديث الصحيح: «ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكانه فرجا، قالوا: يا رسول الله ألا نتعلمهن؟ قال: بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن» .

وهذا يتناول حكم الرب الكوني والأمري وقضاءه الذي يكون باختيار العبد وغير اختياره، وكلا الحكمين ماض في عبده، وكلا القضائين عدل فيه، فهذا الحديث مشتق من هذه الآية، بينهما أقرب نسب.

2 years, 8 months ago

°•

الداء والدواء[194|196]

[فصل الحب أصل الحركة]

وكل حركة في العالم العلوي والسفلي فأصلها المحبة، فهي عليها الفاعلية والغائية، وذلك لأن الحركات ثلاثة أنواع: حركة اختيارية إرادية، وحركة طبيعية، وحركة قسرية.

والحركة الطبيعية أصلها السكون، وإنما يتحرك الجسم إذا خرج عن مستقره ومركزه الطبيعي، فهو يتحرك للعود إليه، وخروجه عن مركزه ومستقره إنما هو بتحريك القاصر المحرك له، فله حركة قسرية تتحرك بتحريك محركه وقاسره، وحركة طبيعية بذاتها يطلب بها العود إلى مركزه، وكلا حركتيه تابعة للقاسر المحرك، فهو أصل الحركتين.

والحركة الاختيارية الإرادية هي أصل الحركتين الأخريين، وهي تابعة للإرادة والمحبة.

والدليل على انحصار الحركات في هذه الثلاث:

أن المتحرك إن كان له شعور بالحركة فهي الإرادية، وإن لم يكن له شعور بها، فإما أن تكون على وفق طبعه أو لا، فالأولى هي الطبيعية، والثانية القسرية، إذا ثبت هذا فما في السماوات والأرض وما بينهما من حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والمطر والنبات وحركات الأجنة في بطون أمهاتها، فإنما هي بواسطة الملائكة والمدبرات أمرا والمقسمات أمرا، كما دل على ذلك في نصوص من القرآن والسنة في غير موضع، والإيمان بذلك من تمام الإيمان بالملائكة، فإن الله وكل بالرحم ملائكة، وبالقطر ملائكة، وبالنبات ملائكة، وبالرياح ملائكة، وبالأفلاك والشمس والقمر والنجوم، ووكل بكل عبد أربعة من الملائكة، كاتبين عن يمينه وشماله، وحافظين من بين يديه ومن خلفه، ووكل ملائكة بقبض روحه وتجهيزها إلى مستقرها في الجنة والنار، وملائكة بمساءلته وامتحانه في قبره، وملائكة بتعذيبه في النار أو نعيمه في الجنة، ووكل بالجبال ملائكة، وبالسحاب ملائكة تسوقه حيث أمرت به، وبالقطر ملائكة تنزل بأمر الله بقدر معلوم كما شاء الله، ووكل ملائكة بغرس الجنة وعمل آلتها وفرشها والقيام عليها، وملائكة بالنار كذلك.

فأعظم جند الله الملائكة، ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ غيره وليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله لله، وهم يدبرون الأمر ويقسمونه بأمر الله وإذنه، قال تعالى إخبارا عنهم: {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا} [سورة مريم: ٦٤] .

وقال تعالى: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} [سورة النجم: ٢٦] .

وأقسم سبحانه بطوائف من الملائكة المنفذين لأمره في الخليفة كما قال تعالى: {والصافات صفا - فالزاجرات زجرا - فالتاليات ذكرا} [سورة الصافات: ١ - ٣] .

وقال: {والمرسلات عرفا - فالعاصفات عصفا - والناشرات نشرا - فالفارقات فرقا - فالملقيات ذكرا - عذرا أو نذرا} [سورة المرسلات: ١ - ٦] .

وقال تعالى: {والنازعات غرقا - والناشطات نشطا - والسابحات سبحا - فالسابقات سبقا - فالمدبرات أمرا} [سورة النازعات: ١ - ٥] .

وقد ذكرنا معنى ذلك وسر الإقسام به في كتاب (التبيان في أقسام القرآن) .

وإذا عرفت ذلك فجميع تلك المحبات والمحركات والإرادات والأفعال: هي عبادة منهم لرب الأرض والسماوات، وجميع الحركات الطبيعية والقسرية تابعة لها، فلولا الحب ما دارت الأفلاك، ولا تحركت الكواكب النيرات، ولا هبت الرياح المسخرات، ولا مرت السحب الحاملات، ولا تحركت الأجنة في بطون الأمهات، ولا انصدع عن الحب أنواع النبات، ولا اضطربت أمواج الزاخرات، ولا تحركت المدبرات والمقسمات، ولا سبحت بحمد فاطرها الأرضون والسماوات، وما فيها من أنواع المخلوقات، فسبحان من: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} [سورة الإسراء: ٤٤] .

We recommend to visit

قناة احمد علي على تيليجرام ( شروحات تقنية ، تطبيقات ، ‏أفلام ومسلسلات ، خلفيات ، و المزيد )

Last updated 1 year, 3 months ago

يرمز تيليجرام إلى الحريّة والخصوصيّة ويحوي العديد من المزايا سهلة الاستخدام.

Last updated 1 year, 4 months ago

- بوت الإعلانات: ? @FEFBOT -

- هناك طرق يجب ان تسلكها بمفردك لا اصدقاء، لا عائلة، ولا حتى شريك، فقط انت.

My Tragedy Lies With Those Things That Happen in One Second And Remain

- @NNEEN // ?: للأعلانات المدفوعة -

Last updated 1 year, 5 months ago