قناة احمد علي على تيليجرام ( شروحات تقنية ، تطبيقات ، أفلام ومسلسلات ، خلفيات ، و المزيد )
Last updated 1 year, 3 months ago
يرمز تيليجرام إلى الحريّة والخصوصيّة ويحوي العديد من المزايا سهلة الاستخدام.
Last updated 1 year, 4 months ago
- بوت الإعلانات: ? @FEFBOT -
- هناك طرق يجب ان تسلكها بمفردك لا اصدقاء، لا عائلة، ولا حتى شريك، فقط انت.
My Tragedy Lies With Those Things That Happen in One Second And Remain
- @NNEEN // ?: للأعلانات المدفوعة -
Last updated 1 year, 5 months ago
في النهاية أصبحت واثقًا أكثر من أن التواضع ليس مجرد صفة شخصية، بل هو فلسفة حياة يمكن أن تغير العالم بشكل إيجابي، لقد تعلمت أن التواضع هو أساس العظمة والسعادة، وأنه يمكننا جميعًا أن نتعلم وننمو من خلاله.
تنبعث روحه المتواضعة من قلب صافٍ، يرفض التفاخر والتباهي، ويتجاوز العقبات بسلام، ويقبل التحديات بصمود. إنها روح تنبض بالتسامح والسماح! تلك التي تفتح أبواب الفهم والتعاطف، وتصنع جسور الود والتآخي.
وبكلمات يسيرات تنبض بالحكمة والعمق يستقي الطالب قوته منها، ويبني علاقاته عليها ممزوجة بالصدق والإخلاص. إنها رسالة سامية تهز أرجاء القلوب تدعو إلى تقدير قيمة البساطة وعظمة الروح في عالم مليء بالتعقيدات.
هذه التأملات تعكس أهمية التواضع والاحترام في حياتنا، وكيف يمكن أن تؤثر إيجاباً على علاقاتنا ونجاحنا الشخصي والمهني.
ورغم أن الشخصية المتواضعة قد لا تسعى بنفس القدر للتكريمات والحظوة في المجتمع كما يفعل البعض الآخر، إلا أنها تحظى بتقدير واحترام أعمق من قبل الآخرين، فالشخصية المتواضعة تبرز بالتوازن، مما يجعل الآخرين يشعرون بالراحة والاطمئنان في وجودها.
يتجنب الشخص المتواضع البهرجة والتعرض الزائد للضوء المجتمعي، وبالتالي قد لا يكون لديه الحظوة الظاهرة في المجتمع. ومع ذلك فإن تأثيره الإيجابي يمكن أن يكون أكثر عمقًا، حيث يترك بصمة إيجابية في حياة الآخرين، ويكسب احترامهم وتقديرهم على المدى الطويل.
بالإضافة إلى ذلك قد يكون للشخصية المتواضعة تأثير قوي في بناء علاقات قوية ومستدامة، حيث يكون الناس متواجدين حولها لأنهم يشعرون بالراحة والثقة بها. وعلى المدى الطويل، قد يؤدي هذا إلى فرص أكبر للتعاون والنجاح المشترك، وبالرغم من أن الشخصية المتواضعة لا تحظى بالحظوة السريعة في المجتمع عادة، إلا أن تأثيرها الدائم يجعلها تستحق التقدير والاحترام في النهاية.
نعم، قد تكون شخصية الدكتور محمد رجب البيومي المتواضعة جداً قد أثرت على عدم حصوله على حظوة في المجتمع بالشكل الذي يمكن توقعه بالنظر إلى إسهاماته العظيمة في المجال العلمي والأدبي، فالتواضع الشديد يؤدي في الغالب إلى عدم الترويج للذات والإنجازات بالقدر الكافي، مما قد يؤثر سلباً على مدى الاعتراف به وتقديره في المجتمع.
على الرغم من ذلك، فإن التأثير الإيجابي لشخصية محمد رجب البيومي المتواضعة أكبر وأعمق بكثير من التأثير السطحي للحظوة في المجتمع، وقد تكون شخصيته المتواضعة جداً سبباً في جذب تقدير أعمق من قبل الأشخاص الذين يعرفونه، حيث يُثبت المتواضع قدرته على الاستماع والتواصل بفعالية مع الآخرين، وهذا يمكن أن يؤدي إلى بناء علاقات قوية وثقافة تعاونية داخل المجتمع، ومن ثم قد يكون لشخصية الدكتور محمد رجب البيومي المتواضعة جداً تأثير إيجابي أعمق في المجتمع على المدى الطويل، رغم عدم حصوله على حظوة ظاهرة في الوقت الحاضر.
لقد امتلكَ محمد رجب البيومي قلباً نقياً يعكس جمال روحه وعمق إنسانيته، وحملَ راية تواضع في سماء الحياة تشرق كالنجمة اللامعة، وتضيء كالشمس في سماء الصباح.
[جريدة الديوان الجديد، عدد: ٥٢، أبريل ٢٠٢٤م]
مقال: روح التواضع: علامة العظمة في شخصية البيومي
حين وقفتُ أمام أستاذي الأجل محمد رجب البيومي في إحدى اللقاءات غمرتني رغبةٌ شديدة في كتابة تفاصيل حياته، تلك التفاصيل التي امتلأت بالتجارب المثرية واللحظات المميزة المحملة بالمعرفة والتأمل.
إنه البيوميّ! ذلك العالم الموسوعي الذي أضاء سماء الفكر والأدب بتألقه الفذ، والذي عاش وعمل وتأمل على مدى عقود، فلم تكن حياته مجرد سجلٍ مملٍ في سجلات الزمن، بل كانت ملحمةً تاريخيةً ملونة بألوان العطاء والتفاني، فقد تحمل بمفرده كتابة تراجم أعلام عصره من الأدباء والمفكرين والعلماء والمثقفين.
كانت رغبتي الأولى هي توثيق بعض الذكريات المهمة في حياته، فطلبت منه أن يملي عليَّ تاريخ حياته بأدق التفاصيل، لأنشره فيما بعد كوثيقة تاريخية ترصد مسيرته العلمية والإنسانية، وبالرغم من استعدادي الشديد وحملي للقلم والأوراق فقد فوجئت بأنه اكتفى بتقديم ترجمة مختصرة لا تتجاوز صفحة واحدة. هذا الموقف الذي لم أكن أتوقعه من أستاذي الذي كنت أرى فيه بحرًا لا ينضب من الحكمة والمعرفة أثار في نفسي العديد من التساؤلات.
تساءلتُ كثيراً عن سبب اكتفائه بهذا القدر القليل من الكلمات، هل كان يفتقر إلى الزمن ليحكي عن حياته بالتفصيل؟ أم كان حريصاً على الاقتصار والتواضع رغم مسيرته العلمية الطويلة الرائعة؟
ولربما كان يرى أن كلماته القليلة كافية لنقل معاني العطاء والتفاني الذي عاشه طوال حياته.
من هنا يتجلى المجد والسمو في شخصية أستاذنا، لأني أدركتُ حبه الكبير للآخرين وتقديم الاهتمام بمسيرتهم وأعمالهم على نفسه وسيرته العطرة الغنية بكثير من الأحداث والشخوص والروايات العزيزة عن أربابها مباشرة، حيث كان يتكلم عن هؤلاء الأعلام بإسهاب وتفصيل، ولكن حين يأتي الحديث عن نفسه فإنّه يكتفي بالحد الأدنى من الكلمات، فلا تظهر عنده رغبة في أن يشغلنا بأخباره، وأنا أعلم قدرته الفائقة على الإفصاح عن تجاربه العديدة، ونقل الأحاسيس الغامضة بعبارات ناطقة!
إنّها ملامح شخصية تكشف عن تواضعٍ وتوازنٍ نادرين في عالمنا اليوم!
وعلى الرغم من هذا الاكتفاء فإن كلماته القليلة كانت كفيلة بأن ترسم أمامي لوحةً بديعةً عن حياته، كانت تلك الصفحة الواحدة التي ملأها بلفظه الأنيق تحكي قصة رجلٍ عاش وتفانى وأثرى عقول الجميع بعلمه وفكره. إنها دروسٌ وعبرٌ استفدتها من هذه الزيارة، فقد علمتُ أن التواضع والتقدير للآخرين هما صفتان لا تقلان أهمية عن العلم والمعرفة.
هذا الجانب المميز في شخصية أستاذي البيومي يستحق تسليط الضوء عليه، فأحاديثه عن الآخرين -لا سيما أخبار أساتذته- تفوق الحديث عن نفسه بجدارة وإتقان.
إنه رجل يعيش على أخبار القوم وسيرهم، ويحمل في عينيه مواقف كثيرة عن أساتذته، فهو يروي قصصهم، وينقل تجاربهم بكل تفاصيلها.
وفي عالم مليء بالتنافس والطموح يظهر التواضع كنقطة مضيئة تتألق في شخصية أستاذنا البيومي، وتجسد فلسفة التواضع لديه جمال روحه وعمق شخصيته، ويتجلى فيها احترام الذات واحترام الآخرين. إنها ليست ضعفًا، بل قوة تبدو في القبول والتسامح. وفي ذكريات الزمن يتراقص ذلك الجمال؛ كزهور الربيع، ينمو بتواضع، ويزدهر ببساطة، ويتجلى التواضع في قبول الحقائق بصدر رحب، دون تعال أو استكبار، ويعكس وعيًا بحجم الإنسان ومكانته في المجتمع.
ويبدو أن أستاذي كان يجد الإلهام والتأثير في حياة أساتذته وأعمالهم، ولذا كان يحكي عنهم بشغف وإعجاب، مما يعكس تقديره العميق لهؤلاء الصفوة الأخيار الذين ساهموا في بناء مسيرته العلمية والفكرية، فيروي لحظات التأمل التي قضاها معهم، وكيف أثرت عليه مواقفهم ومعارفهم.
قد تكون هذه المواقف والحكايات عن أساتذته شكلت جزءًا كبيرًا من تكوينه الشخصي وتأثيره في عالم العلم والأدب، وقد ألهمته ليكون الشخص الذي عرفناه اليوم، الشخص الذي يعيش المعرفة، ويتنفس العلم والتواضع.
هذا الجانب البارز في شخصية أستاذي البيومي يبرز مدى عمقه وتواضعه، وكيف كان يرى الآخرين ويقدرهم بمثابة مصدر إلهام وتحفيز له. إنها صفة نبيلة وقيمة تضاف إلى قائمة مميزاته العديدة، وتجعل منه شخصية فريدة ومحبوبة لدى الجميع.
لم أكن فقط أبحث عن تاريخ حياته، بل كنت أتساءل أيضًا عن الدروس والحكم التي اكتسبها على مدى سنوات عمره الطويلة. لقد بدأت أتساءل عن كيفية تحول هذه التجارب إلى حكم، وكيف يمكننا جميعًا الاستفادة منها في حياتنا اليومية؟
أحاول أن أتصوّر كيف يمكن لأستاذي أن يكون متواضعًا لهذا الحد، وكيف يمكنه أن يكون مليئًا بالمعرفة والحكمة وفي الوقت نفسه يظل متواضعًا ومتفتحًا للتعلم دائمًا. وبينما كنت أتأمل في تلك اللحظة، بدأت أدرك أن التواضع ليس مجرد صفة شخصية، بل هو نهج حياة قائم على الاحترام المتبادل والتعاون.
إنها دعوة لنا جميعًا لنكون متواضعين ومتسامحين مع الآخرين، ولنتعلم من تجاربهم ونشاركهم الحكمة التي اكتسبناها.
نص نثري: ضوء الأمل
في زمنٍ مليء بالمحن الكثيرة تظهر صورة الفتى في المدينة؛ كأنه طيفٌ يتأرجح بين شوارعها في عتمة الليل، يحمل في قلبه أحلاماً مترددة، يبحث عن معنى وجوده ومقصد حياته، يمشي وحيداً متأملًا في عمق الظلمة وجمالها، يشعر بأسى ممزوج بنور رجاء يتسلل إليه من خلال أحلامه البعيدة؛ لتصبح الأضواء الساطعة نجوماً بارزة في سماء الليل القاتم.
وفي هدوء ليلٍ يحكي أسرار الروح ويفتح أبواب الخيال يغوص هذا الفتى في أعماقه، ويسترسل في رحلة البحث عن ذاته، يسير في متاهات الحياة؛ يتلمس كلّ حجرٍ في طريقه، ويتأمل في كل وجهٍ يقابله، يسمع كل همسةٍ تأتي من عمق الكون، حين يعود لبيته يتوقف أمام المرآة كثيراً؛ ينظر إلى وجهه الذي يعكس صورة الروح المضطربة، يسأل نفسه في صمتٍ عميقٍ: أين المعنى الحقيقي للحياة؟ هل هو في المنصب والغنى؟ أم هو في السلام النفسي؟
يستمع الفتى إلى همسات الرياح، ويشعر بأن الجواب يكمن في صمت الطبيعة وعمق الكون، يفتح قلبه لاستقبال الحكمة، وعقله لاستكشاف الحقيقة، يترك الشك والتردد جانباً، ويسير بثبات نحو غايته، وفي نهاية الرحلة يدرك أن المعنى الحقيقي للحياة ليس في البحث عن السعادة الزائفة أو الثروة المتراكمة، بل في اكتشاف السلام الداخلي، والانسجام مع الكون، والالتفات للمعنى الأعظم للحياة، ويعود إلى بيته بقلبٍ مطمئن وروحٍ آمنة، فالسلام النفسي هو القوة الحقيقية التي تسير بنا نحو الراحة وهدوء البال!
وفي وسط هذا الكون الواسع الذي تتصارع فيه الأفكار وتتلاقى الأرواح يتجول وحيدًا في أرجاء المجهول، يسافر بين أفق الأفكار، يستكشف أعماق الجوهر، يحمل في قلبه لهيب الفكر وفي عقله لغة الكلمات المتلألئة، يسعى لفهم أسرار الحياة وغوامض الوجود، يفتش في كل ركن من أركان الوجود عن بصيص من الحقيقة، يتسلل بين زوايا الكون ليكشف عن أسراره المخفية. يطلق عنان خياله، ويستمع إلى صوت الصمت، يتأمل في لغة الطبيعة، ويترجم ألوان السماء إلى أبجدية الفهم.
ينطلق في رحلة البحث عن الأمان النفسي في غموض الليل وسكونه العميق، يجوب الأفق بثقة وإصرار، يعتلي قمم الجبال، ويغوص في أعماق البحار، يحمل عبء المعرفة، ويشتاق للوصول إلى مصدر النور. وفي هذا الطريق الطويل الممتد بين ضفاف الحقيقة وأعالي الفهم يكتب الشخص قصة حياته بأحرف من ذهب، يسطر كلماته بحبر التفكير، ويترجم أفكاره إلى لغة القلوب؛ ليروي قصته بروح الشجاعة والتحدي.
وهكذا، يستمر في رحلته، يتسلق قمم العلم، ويتغلب على التحديات، يرسم طريقه بأمل وإيمان، متمسكًا بمقاصده، يتوق إلى لقاء الحقيقة والاندماج مع الحياة، مؤمنًا بأن كل جهد يضيف قطرة جديدة من الحكمة إلى بحر الفهم، وفي زمنٍ مليءٍ بالتناقضات والتحديات يتجول الفتى بين شوارع المدينة كالرحالة الهائم في صحراء الحياة، تراقب عيناه المليئتان بالدهشة العالم الذي يمر به، يشاهد الناس وهم يتبادلون الضحكات والدموع، يسمع أصوات الحياة تعلو وتهبط كأمواج البحر.
في قلبه يسكن حنينٌ لماضٍ توارى وشوقٌ إلى مستقبلٍ لم يأتِ بعد، يبحث عن معنى الحياة وغاية الوجود، يتجاوز الأماكن المزدحمة والمظاهر الساحرة، يتجه نحو الأعماق الساكنة في قلب النفس، يتساءل عما إذا كانت السعادة حقًا متاحة للبشر أم أنها مجرد وهمٍ يسعى خلفه الجميع، وفي لحظات الوحدة العميقة، ينغمس الفتى في تفكيره ويسافر بين طيات الذاكرة، يستحضر أحداثًا قديمة مرت به في حياته، يتأمل في مرارة الفراق وحلاوة اللقاء، يشعر بأنه وحيدٌ في هذا العالم الواسع، لكنه يدرك في نفس الوقت أن الحقيقة تكمن في التواصل والتآزر، وأن كل وجه يمكن أن يكون مرآة للآخر.
وهكذا، يسير الفتى في رحلته الطويلة، يتعلم من كل لحظة وينمو مع كل تجربة، يتجاوز العقبات بإرادةٍ قوية، ويحمل في قلبه آمالًا وأحلامًا لا تنتهي، وفي أحد أيام الخريف الباهتة، وقف الشاب وحيدًا على شاطئ البحر، وجهه مستدير نحو الأفق البعيد، يتأمل في جمال الطبيعة المتغيرة، ويتساءل في صمته عما إذا كانت الحياة ستظل دائمًا بهذا الغموض والتحدي، تتراقص أمواج البحر بلطف على الرمال الناعمة، وتلامس نسمات الهواء الباردة وجه الشاب، يشعر بأنه جزء من هذا المشهد الساحر.
تتساقط أوراق الشجر وتتناثر على الأرض كأوراق الحياة التي تتغير وتتجدد، نتأمل في دورة الحياة وتغيراتها، ونتساءل عما إذا كان هناك معنىً حقيقي يستحق التضحية والسعي وراءه. في تلك اللحظة نتمسك بالأمل ونواجه الظروف بثقة، مؤمنين بأن كل ما يحدث لنا كان لأجل غاية ومعنى في هذه الحياة الواسعة. وهكذا، نستمر في رحلتنا، متحدين الصعاب ومتجاوزين التحديات، نسعى لتحقيق ما نؤمن به من قيم ومبادئ.
[جريدة كل العرب بفرنسا، عدد: ٦٣، وصحيفة المشهد بالقاهرة]
ومع كل حلقةٍ إذاعية يزداد إعجاب الجمهور بعبقريته وتأثيره الإيجابي على المجتمع، فهو ليس مجرد مقدم برامج، بل هو رمز للإبداع والتميز في عالم الإذاعة، وستظل مساهماته وإسهاماته خالدة في ذاكرة المستمعين، ملهمةً للأجيال القادمة.
وكان له الفضل الكبير في تقديم الشعراء المتميزين إلى أذن المستمعين، فقد كان رائدًا في استضافة شعراء المنصورة وتقديمهم في برنامجه الرائع "على ضفاف الذاكرة"، وكانت تلك الفترة الثقافية في تاريخ الإذاعة المصرية لحظة تألق وابتكار، حيث قدم برنامجه بأسلوبٍ يمزج بين الإلهام والتميز، وهو الذي قدم لأول مرة شاعر الريف الأستاذ "محمد عبد المنعم الغرباوي" إلى أذن المستمعين، مما جعله شيخ شعراء "المنصورة" في عالم الإذاعة، ولا يزال مهتماً بنفرٍ من الأدباء تشجيعاً وتنويهاً!
وله مساهمات لا تُنسى في برامج أخرى مع أساتذة كبار، تميز فيها بتقديم النقاشات العميقة والفصول المطولة التي تسلط الضوء على شخصيات الشعراء الكبار، فتمت استضافته من قبل الأستاذ الراحل طاهر أبو زيد (ت2011م) في إحدى حلقات برنامجه الرائع "أسبوعيات طاهر أبو زيد"، حيث خصص الوقت للحديث عن ذكرى الشاعر العظيم محمود حسن إسماعيل، فألقى الضوء على مسيرته الشعرية الرائعة وسط أجواء من الاجلال والتقدير، وقدم نماذج من شعره العذب، ما جعل الرائد الإذاعي الأستاذ فهمي عمر يشيد بهذا العمل الرائع.
وتألقت مساهماته أيضًا في مجال الاحتفاء باللغة العربية وضرورة الحفاظ على هويتنا العربية، حيث قام بإعداد ندوة إذاعية مهمة عن اللغة العربية والهوية بـــــ"مجمع اللغة العربية" بالقاهرة وإدارتها، وكان ضيفها الشاعر والإعلامي الأستاذ الكبير فاروق شوشة، مما أكد على تميزه واحترافيته في هذا المجال.
إنّ مسيرة الأستاذ عزت سعد الدين في عالم الإذاعة والثقافة تظل محفورة في ذاكرة المستمعين، حيث ترك بصماته الواضحة والمميزة، وستظل مساهماته خالدة في تاريخ الإذاعة المصرية!
[مجلة النيل والفرات، عدد: ٦١، ١٥ مارس ٢٠٢٤م]
وفي عالمٍ مليء بالأصوات والضجيج يتألق صوته؛ كنجمٍ ساطع في سماء الإذاعة المصرية، حيث تتلاقى مواهبه وإبداعاته لتصنع أجمل اللحظات الإذاعية التي تبث البهجة والفائدة للمستمعين، فانطلق في رحلةٍ إذاعية مميزة، حيث انضم إلى الإذاعة المصرية في 13 سبتمبر عام 1996م، وهو منذ ذلك الحين يلهم ويثري الأذهان ببرامجه وسهراته المميزة.
تربع على عرش الإذاعة المصرية بمهارة وإتقان، حيث بدأ مسيرته المهنية كمقدم للبرامج بإذاعة الشباب والرياضة، لينتقل بعدها إلى إذاعة البرنامج العام في أبريل 1997م، ليصبح رمزًا من رموز الثقافة والفن في البلاد. وبتاريخ 8 يونيو 1998م تم اعتماده شاعرًا بالإذاعة، فأصبح صوته يتردد في أرجاء البلاد؛ ينثر الجمال والفكر والإلهام.
ومنذ ذلك الحين انطلق عزت سعد الدين نحو المزيد من التألق والنجاح في عالم الإذاعة، حيث يشغل حاليًا منصب مدير إدارة البرامج الأدبية بإذاعة البرنامج، وقد أثبت نفسه بجدارة كمبدع ومدير متميز، مساهمًا في إثراء المشهد الإذاعي ببرامجه الثقافية والأدبية المتميزة.
ولعلنا نستشهد ببعض ما كتبه الإعلامي والشاعر الكبير الأستاذ فاروق شوشة حين رأى كفاح عزت سعد الدين، فهتف به محبذاً، وبارك خطواته قائلًا:
"عزت سعد الدين نموذج للإعلامي المثقف، والإذاعي الذي يمتلك أدواته، لغةً، وحسًّا مرهفًا، وذوقًا بارعًا في التصنيف والتمييز، والوقوع على الدرر الكامنة، في كل ما يقرؤه ويبحث فيه، من ذخائر تراثنا العربي.
هو إذن شاعر وباحث ومحقق وكاتب إذاعي، يستفيد من هذه الصفات جميعًا في عمله مقدِّمًا للبرامج الثقافية والأدبية في إذاعة البرنامج العام، التي يطل على الناس من خلالها فجر كلّ يوم ببرنامجه الإذاعي الشهير «زهور من بستان الحكمة»، وغيره من المشاركات الأدبية والثقافية".
بريق الثقافة
تجسدت مساهمات الأستاذ عزت سعد الدين في الإذاعة المصرية في مجموعة من البرامج والسهرات الثقافية الرائعة التي أثرت في نفوس المستمعين، فكان له دور بارز في برامج مثل "الفترة الثقافية" التي انطلقت كأول فترة ثقافية في تاريخ الإذاعة المصرية، وتحول اسمها إلى "الجريدة الثقافية"، ثم "أقلام وألوان"، ثم "تنويعات على لحن الحياة".
ومنها البرنامج اليومي "زهور من بستان الحكمة" الذي تناول فيه تراثنا الثقافي والأدبي بأسلوب مميز وجذاب، فتتجلى جماليات الحكمة والمثل، وتنبثق الأبيات الشعرية كأزهار الربيع، وتتراقص الأقوال المأثورة؛ كألحان موسيقية تملأ الأفئدة بالسعادة.
كل حلقة تأخذنا في رحلة ساحرة إلى عالم من العبر والتسلية، فتحملنا بعيداً في ضفاف الحكايات الطريفة والمواضيع المختلفة، وقد بدأ هذا البرنامج الرائع رحلته في يناير عام 2004م، وما زال مستمراً حتى يومنا هذا، مزيناً بسحره وجاذبيته الفريدة.
ومع حلول شهر رمضان المبارك لم يكن الأستاذ عزت يبخل على جمهوره بالمفاجآت والبرامج المميزة، فقد أبدع في برامج مثل "تسابيح الأقلام في شهر الصيام" و"الوقائع الفنية في ربوع الأزبكية" التي أضاءت ليالي الشهر الفضيل بثقافتها وفنها.
وفي برنامجه "سطور من دفتر الوطن" تتناثر لمحات تاريخية وأدبية واجتماعية، ترسم لوحة متألقة من حياة القاهرة، تعود لأزمنة بعيدة عاشتها المدينة ورحبت بها، وقد استمر هذا العمل الأدبي التاريخي لمدة عامين تزامناً مع شهر رمضان، حيث تجلى فيه رونق الماضي وروح الحاضر، لينقلنا بين أجنحة الزمن إلى عالم ينبض بالحياة والتاريخ والثقافة.
وفي جوٍّ ممزوج بالفخامة والثقافة يفتح برنامج "صفحات من تاريخ السينما" نافذة على الماضي السينمائي الزاهر في مصر بيد متقنة منذ بداية السينما الصامتة؛ ليأخذنا في رحلة ساحرة عبر عصور الفن وتطوره في الأرض المصرية.
وأما برنامجه "موعد بعد منتصف الليل" فيتجلى فيه الفكر والثقافة في لقاء مثير ومفعم بالحكمة مع إحدى شخصيات العلم والأدب والثقافة، حيث يُناقش معها قضية أو موضوعاً مهماً، تتناغم فيه الأفكار وتتبادل الآراء بلا حدود.
وفي "صفحات من سيرة أم الدنيا" يمتلك لغة قادرة على النفاد والوصول إلى قلوب المستمعين من أيسر طريق، فيختار الشخصيات التي يتحدث عنها وعن تاريخها وآثارها اختياراً ذكياً مؤثراً، يربط بها الحاضر بالماضي، ويتطلع إلى المستقبل بكل جد وهمة، فيشعر المتلقي بحس جماهيري يوجهه إلى المعالي واتخاذ القدوة الحسنة في حياته.
ويتميز برنامج "أحلى الأشعار" بتقديم مجموعة متنوعة من القصائد الشعرية، تتألق فيها حروف الشعراء المصريين والعرب، وتنسجم معاً في رقصةٍ لحنية تأسر الأذهان، وتعزف على أوتار القلوب بإبداع لا يُضاهى، وللأستاذ مقياس أدبي يؤثره في اختيار قصيدة عن قصيدة، وتفضيل شاعر على شاعر، وهو في الأخير شاعر ذو رسالة خلقية ينهض بالقيام بها!
ولقرية الطفولة دور كبير في حياة الأستاذ، حيث شكلت جذوره الثقافية والاجتماعية وأسلوب حياته الإيجابي. ومن خلال ذكرياته في القرية نمت لديه القدرة على التواصل مع الناس بطريقة ملهمة ومؤثرة في مجال الإعلام، كما أن تجاربه في القرية ربما شكلت مصدر إلهام لشعره واختياراته ومقالاته التي تعكس جمال البساطة والحكمة التي يتمتع بها.
رحلة تلميذ
لقد أتيحت لعزت سعد الدين حياة اجتماعية أدبية حافلة مكنته من أن يكون قريباً من رموز عصره من الأدباء والشعراء والمثقفين والمفكرين!
وفي عالم الإبداع يتجلى بريق الفكر وتتجسد روح الإلهام في شخصيات أساتذة رائعين قدموا للطلاب أكثر من دروس نظامية، ومن بين هؤلاء الأساتذة الذين أثروا في رحلة الأستاذ عزت سعد الدين الثقافية والإبداعية يبرز بوقار شاعر القرية الأديب الشاعر الأستاذ "مصطفى محمود مصطفى" الذي كان يحمل معه عبق الأدب وعمق التفكير.
ففي قريته الهادئة كان الشاعر مصطفى محمود مصطفى نجمًا يلمع بسطوع الإبداع، إذ كان أستاذه الأول الذي أعطاه أكثر من معرفة علمية، وفتح له أبواب الإلهام والإبداع، وكانت تلك اللحظات التي قضاها في مدرسة "عمروس الثانوية" بمركز الشهداء بمحافظة المنوفية تحمل في طياتها الكثير من الحكمة والإلهام، فكان الشاعر الكبير يشاركه من خزائنه الأدبية ويسلط الضوء على جماليات اللغة وعمق الفكر، وكان أول من عرض عليه شعره وكتاباته أستاذنا عزت سعد الدين، فلمس فيه نبوغه المبكر وموهبته الشعرية البازغة.
وكما كان الشاعر مصطفى محمود مصطفى مدرسًا رائعًا في القرية، كان أيضًا صوتًا مميزًا في عالم الإعلام والصحافة، حيث كان ينشر شعره ومقالاته في مجلات الأزهر، ومنبر الإسلام، والهلال، وجريدة الأخبار، ولم يكتفِ بذلك، بل كان يتواصل مع العقاد عندما كان يكتب يومياته بجريدة الأخبار في بدايات الستينيات، وكانت رسائله تحمل في طياتها حكمة الخبرة وثراء الفكر.
ثم قضى عزت سعد الدين سنواته الأولى الجامعية في محافظة طنطا، حيث تلقى تعليمه الأكاديمي وشق طريقه نحو العلم والمعرفة، فحاز على درجة البكالوريوس في كلية "التجارة" عام 1988م من جامعة طنطا، وبرزت قدراته الاستثنائية وتألقت مواهبه الفذة منذ ذلك الوقت.
وكان "معهد الإذاعة" بوابته نحو عالم الإعلام والصوتيات فالتمس يد الإبداع والتميز من توجيهات الدكتور كمال محمد بشر (ت2015م) نائب رئيس مجمع اللغة العربية، وكانت دروسه تجسد له رحلة استكشافية في عالم الإعلام وفنون البث، حيث استفاد من خبراته الثرية وروافده الفكرية التي أثرت على إنجازاته الإعلامية، وأخذ في المعهد أيضاً عن العلامة الشهير الدكتور عبد اللطيف عبد الحليم أبي همام (ت2014).
لم تكن مسيرته بلا توجيه من قبل الكتاب والمثقفين البارزين، فمن الشخصيات التي أثرت في مسيرته الثقافية والإبداعية وكان له شرف التعلم والتلقي عنها: الشاعر الإعلامي الكبير فاروق شوشة (ت2016)، والكاتب القصصي رستم كيلاني (ت2010م) تلميذ الأستاذ محمود تيمور، وغيرهما الكثير من المشاهير الذين جمعتهم به علاقات المودة والصداقة، وكان له شرف التعلم والاستفادة من خبرات بعضهم؛ كالشاعر الأستاذ إبراهيم عبسي رئيس ندوة شعراء العروبة، والشاعر بدر الدين علي الجارم، والشاعر محمد إبراهيم أبو سنة، والعلامة العميد .صابر عبد الدايم يونس، والدكتور الناقد الكبير أ.د. محمد حسن عبدالله، والدكتور عبد الحميد الكردي، والكاتب الفنان عز الدين نجيب، والكاتب الكبير الأستاذ محمد رضوان.
إنها رحلة مثمرة مع أساتذة الحياة والثقافة والإبداع، حيث تركت هذه الشخصيات بصماتها البارزة على مسيرته الثقافية والإبداعية، وأثرت على رؤيته للحياة، ونقلت له دروسًا لا تُنسى في عالم الإعلام، حتى صار شمعة تسطع في سماء الثقافة والفن، وتضيء درب الراغبين!
عالم الإذاعة
تعتبر البرامج الأدبية في الإذاعة المصرية جسراً مهماً يربط بين المستمعين والثقافة الغنية للمجتمع، فهي تساهم في نشر الوعي وتعزيز الهوية الثقافية، كما تعمل على إبراز التراث الأدبي وتقديمه بشكل مبسط وممتع للجمهور. بالإضافة إلى ذلك، تساعد هذه البرامج في القدرة على التحليل الأدبي والتفكير النقدي، مما يساهم في تطوير مهارات الاستماع والتفاعل الفكري.
تألق عزت سعد الدين في عالم الإعلام والإذاعة، فهو رمزٌ للإصرار والعزيمة، ومثالٌ يحتذى به في عالم الإبداع، يمثل الجد والاجتهاد والتفاني في العمل، ويعتبر قدوةً للشباب الطموح الذين يسعون لتحقيق النجاح والتميز في حياتهم المهنية، وبات له بصمةٌ خاصة واسمٌ يرنّ في أروقة الإعلام المصري. وقد تولى مهاماً عدة خلال مسيرته المهنية، حيث عمل كمحاسب في إحدى شركات القطاع الخاص منذ عام 1991م وحتى عام 1999م.
مقال: من بريق الأدب إلى أصداء الإذاعة
استكشاف مسار الأستاذ عزت سعد الدين (الحلقة الأولى)
هذا شاعر إذاعي، رحب الصدر، رحب العلم معاً، ذو نزعة إنسانية، وقلب نابض بالخير، وعقل مثقف بالآداب، كبير القامة والمقام، لم ينصفه أبناء جيله، صاحب إنجاز إعلامي باذخ، تتجلى فيه العديد من المواهب بأشكالها الجميلة والمتنوعة، لم يلتفت إليه أرباب المنابر الثقافية، ولم يقرأ له النقاد صفحة واحدة، تجاهل المثقفون جهوده الجليلة، لكنّ زمناً قادماً سوف ينصفه!
في لحظات التأمل العميق تتبادر إلى الأذهان أسماء شخصيات أشرقت في تاريخنا المعاصر بأنوارها الساطعة؛ لتترك بصماتها العميقة في الحياة الاجتماعية والثقافية. إنهم أناس يستحقون التقدير والإجلال! ليس فقط لما قدموه من إنجازات فردية، بل لتأثيرهم الإيجابي الذي طال المجتمعات بأسرها.
هنا تتجلى معنى السيرة المجتمعية في قدرة الفرد على العمل لتحقيق تغيير إيجابي في مجتمعه من خلال العطاء الذاتي، التربية والتعليم، أو الإبداع والأدب، أو الابتكار والريادة، وكلّ فرد يحمل قدرة على تحديد طريقه الخاص في خدمة مجتمعه، وهذا ما يميز المؤثرين الحقيقيين.
وتتمثل أهمية كتابة السير الذاتية للرواد في تحفيز الأفراد على تولي مسؤولياتهم تجاه المجتمع، وتشجيعهم على المشاركة الفعالة في الحياة الاجتماعية والثقافية، فإنما يبنى المجتمع على عطاء كل فرد فيه، وعلى تضافر جهودهم من أجل تحقيق التقدم والازدهار.
لعلّ الأدب والإذاعة من أبرز المجالات التي تتقاطع فيها الكلمة الجميلة مع قوة الصوت، مما يخلق تجربة ثرية تعبّر عن ثقافة وتنوع المجتمع. وفي هذا السياق يبرز اسم الإذاعي اللامع والشاعر الناثر الأستاذ "عزت فتحي سعد الدين" كشخصية مميّزة تركت بصماتها في عالم الأدب والإذاعة على حدّ سواء، ولا ريب أنّ حياة الأستاذ عزت تعدّ مثالاً حياً على التنوع والغنى الثقافي، فتلاحقه مسيرة حافلة بالإنجازات والمشاركات الفعّالة في عدة مجالات، تستدعي التركيز على استكشاف مساره الفريد الذي جمع بين بريق الأدب وأصداء الإذاعة، وتسليط الضوء على أهم المحطات التي مر بها، وعلى إسهاماته القيّمة في هاتين الساحتين.
رام الإذاعة فكان أستاذها، وتطلع إلى مجالسة الأدباء والمفكرين فتربع فيها، واشتاقت نفسه إلى المعالي فاغترف منها ما اشتهى، لكنّه ما اكتفى، وما كان ليكتفي وله نفس تواقة إلى نيل كل الخيرات.
ولنا أن نتساءل كيف نجح الأستاذ "عزت سعد الدين" في ترسيخ وجوده كشاعر وكاتب متميز في عالم الأدب، بجانب دوره المهم والمتميز كمقدم إذاعي يحمل رسالة ثقافية تواكب تطلعات المجتمع؟! وللإجابة عن السؤال لا بدّ من تناولٍ دقيق للتفاصيل الحياتية والمهنية، وإلقاء الضوء على مسيرته المميّزة والإسهامات القيّمة التي قدمها؛ لندرك كيف استطاع ببراعته وتميزه أن يصنع فارقاً في عالم الأدب، ويحقق نجاحاً ملموساً في مجال الإذاعة.
قرية "كفر ربيع"
"عزت سعد الدين" اسم يحمل تاريخًا مشرقًا من الإبداع والعطاء في عالم الإذاعة والإعلام، وُلد في الرابع من يناير عام1967م، بدأ رحلة حياته المثمرة بالعلم والعمل في أحضان الطبيعة الخلابة، حيث تنبعث نسمات العراقة والتاريخ في هذه القرية التي تقع في قلب "مركز تلا" بمحافظة المنوفية. تتوشح هذه القرية بألوان الفخر والاعتزاز، ففيها نشأت شخصياتٌ عظيمة تألقت بضياء العلم والإصلاح، مُسطرةً أروع الصفحات في سجل التاريخ.
ومن بين تلك الشخصيات: الشيخ القاضي أحمد أبو خطوة (ت1906م) الذي ارتبط اسمه بالعطاء والتضحية، وبصداقةٍ جليلةٍ مع علماء عصره، فهو الصديق المقرَّب للإمام محمد عبده، وقاسم أمين، وأحمد باشا تيمور، وتحفل القرية بذكرياتٍ جميلة ومواقف شجاعة بسببه، حيث عاشت لحظات تاريخية لا تنسى، منها الحكم الشهير بالتفريق بين الشيخ علي يوسف -صاحب ورئيس تحرير جريدة المؤيد- وصفية بنت الشيخ السادات المنتمية إلى سلالة سيدنا الحسين رضي الله عنه، فكانت تلك الحادثة بمثابة علامةٍ فارقة في مسار تاريخ رجال القرية، تجسِّدت فيها عزم الحق وتلاحم العدل. هكذا هي قرية كفر ربيع، تعبق بعبق التاريخ وتشهد لحظات عظيمة لا تُنسى، مُزهرةً بمنجزاتها العلمية والإنسانية، وماضيةً بثقةٍ نحو مستقبلٍ واعد.
في هذه القرية تنسجم العادات والتقاليد مع جمال الطبيعة، فنشأ الأستاذ الرائد عزت نشأة أصيلة تغذى فيها على فضائل الحياة وأخلاقياتها، وكانت عيناه منذ صغره تتأمل جمال الحقول وروعة الغروب، بينما يتلألأ شغفه بالقيم السامية والآداب العريقة.
وتنبعث في أعماق القرية أخلاق أهلها بوضوح في أحاديثهم الحسنة ومعاملاتهم الرقيقة، وتتميز أفعالهم بالصدق والتواضع والكرم، وتتجلى في تصرفاتهم العادات الراقية والآداب العامة، يتبادلون الاحترام والتقدير، ويمتزجون بروح الجماعة والتعاون في كل لحظة، فتبهج أخلاقهم قلوب مَن يرتادونهم، وترسم لوحة جميلة للتلاقي والتآخي في هذا المجتمع الصغير الذي يعكس قيم الأصالة!
إذا صحت أساليب التربية ووسائلها، وتحصن الشباب بالمعرفة وتعرفوا على منهج الوسطية والاعتدال، وذاعت بينهم ثقافة التعايش والقبول للرأي الآخر فإن المنهج الفكري سيستقيم، وساعتها سيتحصنون ويبتعدون عن الأفكار الدخيلة على الإسلام، ويدركون قيمة الأوطان وضرورة الحفاظ عليها، ونحن في أمس الحاجة الآن إلى الوعي بهذا الأمر.
[مجلة النيل والفرات، عدد: ٤٥، ١٥ يوليو ٢٠٢٣م]
https://t.me/azalazhary
https://www.facebook.com/profile.php?id=100069218317356
ويستمد هذا المنهج التربويّ الرفيع صلته من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- حين أتاه فتى يافعٌ أجهدته شهوته ليستأذنه في فعل الزنا، فلجأ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المعالجة التربوية الفعالة، ولم يلجأ معه إلى القسوة أو التهديد، ومهمة التربية مقدسة، وهي في العادة لا تثمر إلا إذا بنيت على المحبة والألفة، فليست همة المربي أن يشير بإصبعه دائماً نحو خطأ المتربي، وإنما المهمة الأساسية أن يمد له المربي يده لإعانته على الخروج من أخطائه، وقيمة هذا المنهج على صعيد المعاملة الاجتماعية يتجسد في التعايش السلمي بين جميع أفراد المجتمع.
شيء عظيمٌ أخذته عن والدي -حفظه المولى ورعاه- أن أترفق، وهو أبلغ درس قد أحتاجه في كثير من المعاملات، أن أترفق حين أرى ما لا يعجبني في أخلاق الآخرين بدلًا من أن يكونوا في نظري محل نقد دائم، أن أترفق عندما أرى مَن زلت به الأقدام وأقدم له يد المساعدة بدلًا من الكلمة الجارحة، أن أقف معتبراً خاشعاً حين أرى مصائب غيري بدلًا من التكلم بما لا يجدي، فآخذ العبر والعظات من المواقف المختلفة، فليست المروءة بأن نحقر أصحاب الأخطاء، وإنما نحاول إظهار نبل الخلق لا اللؤم في تعاملاتنا معهم، ونُمكنهم مِن أن يتنصروا على أخطائهم، وقد دعا الإسلام إلى رعاية قيمة الرفق في التعامل مع الناس، هذه القيمة التي تدخل في كلّ تصرف إنساني سواء كان ذلك من أفعال الأفراد، أو شؤون الحياة الاجتماعية العامة.
ومِن أوجه تفعيل الجانب التربويّ إظهارُ مشاعر الحب للمتربين، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يأمر أصحابه بإظهار مشاعر الحب والود (يا رسول الله: إنّي أحبّ فلاناً) (هل أخبرته؟) (لا) (اذهب فأعلمه)، فكانت التربية تستمد من عبارات الحب تأثيرها، وقد صرح الرسول صلى الله عليه وسلم بعبارات الحب لبعض أصحابه، ويظهر ذلك من خلال مخاطبته للصحابي الجليل معاذ بن جبل بقوله: (إنّي أحبك يا معاذ)، هكذا يدعو النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى فهم صحيح لمعاني الحب، وإلى عمل يكون به خير الفرد والمجتمع في محاولته لتقوية أواصر الأخوة والألفة بين الناس، ولعلّ في ذلك دلالة قوية على أن كلمات (الحب) مِن المربي تفسح الطريق لكلّ رسالة تربوية يريد توجيهها للمتربي، ولا يمكننا محاربة العنف بالعنف إلا إذا كنا للعنف ظهيراً! فما لنا من سلاح لإصماء العنف سوى الرفق.
ولم يقتصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- على عبارات (الحب)، بل تجاوز ذلك، فلم يكن أحدٌ من أصحابه يشعر بأن غيره أقرب إلى قلبه منه، وقد وصف الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- مجلسه عليه الصلاة والسلام بقوله: (لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه) ولستُ أظن أنّك سمعتَ فيما سمعتَ كرماً للجلساء طاول هذا الكرم!
إنّ إظهار الاهتمام بالمتربي، وإبداء المشاعر الإيجابية له مما يقوي جانب التأثير والتفاعل الوجداني، ومما يعزز في قلبه روح الرحمة لغيره، لا روح التطرف والعداء للمجتمع، ومن تمام الرحمة به أن يدرك أن حسن التربية لا تعني التساهل مع المذنب، وإنما كفه عن الشر وتخليصه من العادات السيئة، ثم يأتي التفاعل الإيجابي معه ليكون عنصراً مهماً في المجتمع نافعاً لوطنه.
هذا النمط التربويّ الفريد والعزيز يقابله خطابٌ دعويّ متشدد في بعض الأحايين، فيجعل من الحزم المتكلف فيه شعاراً له، مما يؤدي إلى تسميم الجو الدعوي كله، وقتل العملية التربوية، والقضاء على الخطاب الوسطي، بينما في الحقيقة يعد الرفق مع المتربي، واللين في الخطاب الدعوي الحلقة الأولى لبناء المجتمع الوسطي، تلك الوسطية التي تمثل التوازن والاعتدال والتسامح، والبعد عن التشدد ومنهجه وحزبه وسببه.
وعند الحديث عن التربية لا بدّ من التعريج على ارتكاز مبدأ التربية والأخلاق على الدين، فصلاح الأفراد الحقيقي يرتبط بالأخلاق المرتبطة بالدين، ولأستاذي العلامة "محمد رجب البيومي" مقال في غاية النفاسة حول هذه المعنى نشره في مجلة "الفيصل" بعددها: 15 في شهر أغسطس سنة 1978م، وقد قرر فيه أنّ صاحب : "المعتقد الديني يلتزم بالأخلاق الفاضلة استجابة لأوامر دينه، فهو يخاف الله قبل أن يخاف القانون، فإذا سرق أو قتل أو فجر عرف أن السماء رقيبة عليه، وأنّه لن ينجو من عقابها إلّا بالتوبة النصوح، فأخذ يعمل على الرجوع إلى ربه نادماً مستغفراً، ومصراً على الإقلاع عن الذنب دون معاودة، أما صاحب الخلق الذي لا يؤمن بدين فأكبر ما يخشاه أن يقع تحت سيطرة القانون فتؤاخذه الدولة بجرمه، وإذا نجا من مسؤولية القانون فقد انتهى كل أمر بالنسبة إليه، وله أن يعدّ نفسه بريئاً إذ لا يؤاخذه أحدٌ، وفي ذلك حث على الجريمة، إذ ما أكثر أن تمنع الاحتياطات الدقيقة ظهور الجرائم، فينجو المجرم من العقاب! ولصلاح المجتمع لا بد أن ترتبط الأخلاق بالدين، وأن يعلم كل فرد أن عين الله ساهرة لا تنام".
مقال: الثقافة التربوية
لا يكون المربي ناجحاً إلا إذا كان له رصيدٌ من الود والحب في قلوب المتربين من خلال فكره التربوي وطرحه الدعوي، وتتعدد صور كسب قلوب المتربين، فمنها: الابتسامة، والكلمة الطيبة، والهدية، وأهمها: حمل همه، وإعانته على حل مشكلاته، ومشاركته همومه وأحزانه، ويتطلب العمل التربوي والخطاب الدعوي المعاصر إلى حسن الصلة بين المربي والمتربي، وبين الداعي والمتلقي؛ لأن الغالب على المتربين والمتلقين أنّهم يحبون مَن يهتم بأمورهم، ويسأل عن أحوالهم، ويوجه لهم حسن المعاملة، ويخاطبهم بأرق العبارات، على أن كثيراً من الناس يرعون غيرهم سلوكياً وعلمياً ولكن قليلًا منهم من يقوم بتربيتهم ويعمل على تهذيب سلوكهم على وجه الحقيقة، ذلك أن هناك فروقاً كثيرة بين الرعاية والتربية، فالرعاية تكون في توفير مطالبهم الحياتية، والتربية هي تغيير السلوك والتطوير من شخصياتهم نحو الأفضل.
ولقد حفلت كتب التراجم بكثير من الجهود التي قام بها علماء تربويون في بيان الوسطية، وقد أظهرت هذه الجهود قدرتهم الفائقة على نشرهم الفكر المعتدل بالوسائل المختلفة، وابتعادهم عن الأفكار الدخيلة على مجتمعاتنا، وقد تفوق هؤلاء العلماء في مجالات التربية وتهذيب الأخلاق وتعديل السلوك عن قرب من المتربين؛ إيماناً منهم بأن التربية تستحيل أن تكون عن بُعد، فالتربية هي المعايشة، والقرب، ومخالطة المتربين.
وتعدّ فئة الناشئة من أكثر فئات المجتمع حاجة إلى التربية، لحاجتهم الماسة إلى مراقبة وتعديل سلوكهم، وهو أمرٌ يحتاج متابعة وملاحظة وطول عهد من المربي، وعنايته بالمتربي، ويظهر هنا سر نبوغ السابقين في مجال السلوك والتربية، حيث كان المربي ينزل ساحة التربية بنفسه، ويخالط المتربين، وفي الحقيقة يسعد الكثير منا بالمربي الذي ينزل ساحة التربية بنفسه، فلا يخلو يومه من توجيه وإرشاد وبث أمل، وإيجاد روح الحبّ بين المتربين، ويزعجنا أشدّ الإزعاج مَن هو في حقل التربية، ويشغل وقته في أمور تنظيرية بعيدة عن روح السلوك والهدف المرجو من التربية.
ولا ريب أن كثيراً من الشباب في الآونة الأخيرة قد نفر من أصحاب الخطاب الدعوي البعيد عن روح الوسطية؛ لأنهم عادة يبتعدون عن المتعالي عليهم، ولا يتفاعلون مع مَن يعيش دائماً معهم مقام الأستاذية، أو ينصب نفسه في مقام الرقيب على حالهم، ويزداد النفور ممن يقوم مقام الواصي عليهم، ولهذا كان ن دور الربي إذا وجد خطأ عند المتربي ألا يهجم عليه فجأة، بل لا بدّ من التمهيد وإزالة العوائق قبلها، ومن أهها العوائق المعنوية التي تحول بينه وبين أن يكون شخصاً ناجحاً، ودائماً ما يردد التربويون تلك الكلمة: "الميدان الأول للمربي هو القلب قبل الواقع".
وليس أضرّ على المتربي مِن أن تحاط حياته بسياج محصور يشعر فيها بالسجن، فلا يحب الإنسان أن يرى غيره رقيباً عليه في سائر أحواله، بل لا بد للمربي أن يعطي المتربي وقتاً مناسباً للتعبير عما يدور في نفسه، فلا مجال لتربية لا تعطي لشخصٍ فرصة في إبداء ما يكون في دوافن قلبه وكامن مشاعره، ولتكن همة المربين دوماً تقويم السلوك لا حبس الأنفاس أو عدها على المتربين، وهناك فريق آخر أكثر ضرراً على المتربين، فهم لا ينتقدون أحداً ولا يتكلمون عن أخطائهم، لكنهم يسلكون مسلكاً خبيثاً في التعامل معهم ألا وهو الابتعاد عنهم ترفعاً عليهم، وما أوضح الحقارة في أخلاق هؤلاء!
ومن شدة حرصه -صلى الله عليه وسلم- ومحبته لأصحابه أنه لم يكن يكثر عليهم من إرشاده ونصحه ووعظه؛ حرصاً منه على انتفاع أصحابه بذلك، فكان يرشدهم في بعض الأيام، ليس في كلها؛ خوفاً عليهم من الملل والضجر، ومن كمال رحمته بهم أنه كان يتحرى الأيام المناسبة، ليس هذا فحسب، بل كان يتحرى الأوقات المناسبة في الأيام المناسبة التي عادة ما تكون مظنة استعدادهم النفسي للإقبال على الأخذ بنصائحه، وأما تربية المتربي في كلّ الأوقات والحديث عن أخطائه دوماً فسيؤدي إلى نفوره وكراهيته للمربي والانقطاع عنه، فلا يحصل الخير من ذلك.
هذا الخطاب الدعوي الغريب يوصف بالمتشدد، ويعدّ من أكثر وسائل تنفير القلوب لدى الشاب، زيادة عن ابتعاده عن واقعهم المعاصر، مما سبب في وجود فجوة هائلة، وهي حاصلة بين الشباب وأرباب هذا الخطاب، وليس هناك أفضل عند الشباب من خطاب مكامن الخير في نفس المخطئ المائل عن الصواب والمبتعد عن الحق، وتجديد محاسن الطبائع لدى نفس المذنب، ومخاطبة أوجه الشهامة والرجولة لديه، وهو خيرٌ من إظهار التهديد له دوماً، أو الترفع عليه، ومن الخطأ أن نلبس المتربي ثوباً جاهزاً دون أن نتأكد من ملاءمته له، ففهم شخصيات المتربين أولى من القيام بتوجيههم دون معرفة ظروفهم، وهذا ما يقع فيه كثيرون؛ إذ يخاطبون أناساً لا يعرفون عن حيواتهم شيئاً، والأدهى هو إصدار أحكام دون وقوف حقيقي على تكييف أفعالهم وأسبابها.
قناة احمد علي على تيليجرام ( شروحات تقنية ، تطبيقات ، أفلام ومسلسلات ، خلفيات ، و المزيد )
Last updated 1 year, 3 months ago
يرمز تيليجرام إلى الحريّة والخصوصيّة ويحوي العديد من المزايا سهلة الاستخدام.
Last updated 1 year, 4 months ago
- بوت الإعلانات: ? @FEFBOT -
- هناك طرق يجب ان تسلكها بمفردك لا اصدقاء، لا عائلة، ولا حتى شريك، فقط انت.
My Tragedy Lies With Those Things That Happen in One Second And Remain
- @NNEEN // ?: للأعلانات المدفوعة -
Last updated 1 year, 5 months ago